إذا كان في الممتزج من البرودة مثل ما فيه من الحرارة ، فيكون لذلك الممتزج فعلان .
وذلك أنه إن تصور في الممتزج الاختلاط على التساوي ، فليس يمكن أن يتصور في الأفعال المتضادة اختلاط ، إلا أن يكون أحد الفعلين غالبا ، ويكون الفعل الآخر مغلوبا ، حتى ينسب الفعل إلى الغالب ، وإن كان قد انحط عن رتبته قبل الامتزاج ، أعنى امتزاج الكيفية التي صدر عنها الفعل .
( 23 ) وليس لقائل أن يقول : إنه إذا لم تمتزج الأفعال على السواء ، حتى يأتي بينهما فعل متوسط ، وكان ذلك هو السبب في أن لم يكن بين الصحة والمرض متوسط ، فليس هاهنا في الحقيقة متوسط بين الأطراف المتضادة ، هو بالصورة والكيفية ، غير كل واحد من الطرفين ، بل إنما يكون المتوسط يخالف الطرفين بالأقل والأكثر . والمخالف بالأقل والأكثر ليس هو متوسطا بالحقيقة ، بل إن قيل فيه متوسط فبشبيه . وهذه هي حال الصحة مع المرض ، أعنى أن الصحة لها عرض تنقسم من قبله إلى الأقل والأكثر ، وكذلك المرض . وليس بين آخر درجات الصحة ، وأول درجات المرض ، واسطة ، هي لا صحة ولا مرض .
( 24 ) وإن كان ذلك كذلك ، فيكون الحار والبارد لهما عرض ، يختلفان فيه بالأقل والأكثر . ويكون آخر درجات الحار أوّل درجات البارد ، من غير أن يكون هناك وسط ، أعنى مزاجا متوسطا بين الحار الذي في الغاية والبارد الذي في الغاية ، هو بالصورة غير كل واحد من الطرفين . لأن المختلف بالأقل والأكثر ليس مختلفا بالصورة والكيفية ، بل إنما يختلف بالكمية .
( 25 ) فنقول : إن الفرق بينهما أن الصحة والمرض ليس يمتزجان امتزاجا يفعل به كل واحد في صاحبه ، حتى تتولد بينهما صورة ثالثة غير صورة الممتزجين .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 367
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٦٧