أعنى أن ينغمس العليل في الماء البارد ، قدر انغماسه في هذا الحار ، وقعوده في الهواء الحار .
( 12 ) وبالجملة يفعل الحرارة كما قيل في المتكوّن هو جمع الشبيه ، ونفى غير الشبيه ، وذلك بالطبخ والإنضاج وفعل البرودة في المتكوّن هو جمع الشبيه وغير الشبيه . ولذلك أكثر ما تستعين الحرارة بالبرودة في النجميد وتتميم الأعضاء والجسد الذي طبخته الحرارة وغلظته ، مثل ما يعرض للصبي أول وقوعه من الرحم أن تشتد عظامه وأعضاؤه ، من قبل مباشرة برد الهواء . ولكون هذين الفعلين للحرارة والبرودة في المكون ، قيل فيهما إنما كيفيتان فاعلتان ، لأن المكوّن إنما هو مفعول به من قبلهما .
( 13 ) وأما الرطوبة واليبوسة ، فبين أيضا من حدهما هنالك أنهما كيفيتان منفعلتان في المكوّن ، لا فاعلتان فيه ، إذ كان التكون إنما يقبل الانفعال من قبلهما ، وذلك أن من قبل الرطوبة يكون الاختلاط له ، ومن قبل اليبوسة يكون له القوام والشكل .
( 14 ) ولذلك قيل في حد الرطوبة إنها سهلة الانحصار من غيرها ، عسيرة الانحصار من ذاتها . وقيل في حد اليبوسة ، إنها عسيرة الانحصار من غيرها ، سهلة الانحصار من ذاتها . وإذا كان هذا هكذا ، فهو قد بين أن الكيفيات اليابسة والرطبة ليست فاعلة في المكوّن ، وإنما هي فيه منفعلة . وأن الحرارة والبرودة ، هي فيه فاعلة فقط . ومن هذه الجهة ، قال أرسطو في الحرارة والبرودة : إنهما فاعلتان فقط .
أعنى من جهة مقايستهما إلى الرطوبة واليبوسة . وقال في اليبوسة والرطوبة إنهما منفعلتان لا فاعلتان ، بالمقايسة أيضا ، إلى الحرارة والبرودة .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 363
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٦٣