( 140 ) وإنما الموجب لذلك المزاج المؤتلف من القوى التي هي سبب كل ما يحدث في الأجسام المركبة ، على ما يعتقده جالينوس وجميع المحققين من أصحاب العلم الطبيعي . فإن المزاج قد يكون من داخل ، سببا لأن تتأثر النفس تأثيرا شبيها بما تتأثر به عن الأشياء التي من خارج ، حتى تكون هاهنا أمزجة توجب فرحا من غير أسباب مفرحة من خارج ، أو فرحا كثيرا من أسباب يسيرة ، كما يعترى السكارى . وهذا المزاج هو الحار الرطب ، ومقابله هو المزاج البارد اليابس ، وهو الذي يفعل الخوف من غير سبب من خارج . ولأنه اتفق لمادة هذا المزاج أن يكون عديم اللون والشفيف ، أعنى لكون الأرض غالبة عليه .
واتفق لذلك المزاج ، أن يكون الجزء الغالب عليه نيرا شفافا ، وهو الهوائي . فكان لظان أن يظن أن سبب الأنس والاستيحاش هو الإنارة وعدمها ، وذلك بالعرض لا بالذات . والقول في هذا مستوف في غير هذا الموضع .
وهنا انقضى جميع ما قاله في المقالة الخامسة ،
بحمد اللّه وحسن عونه ، وصلى اللّه
على محمد نبيه وعلى آله .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 352
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٥٢