والقول الصحيح في هذا هو ما قلناه ، وهو قول أرسطوطاليس ، ومن تبعه من تبعه من المشائين ، وهو الرأي الذي استقر عليه الأمر ، عند جميع الحكماء إلا من لم يفهم غرض القوم ، ولا أخذ مذهبهم عنهم ، كما عرض جالينوس .
( 105 ) ثم قال بعد قول جالينوس : والخامس شهوتها النفسانية .
( 106 ) قلت : هو الذي قاله هذا الرجل ، في سبب حس المعدة باستفراغ البدن ، بتوسط جذب العروق من فم المعدة ، هو قول فضل لا معنى له ، ولا حاجة بنا إليه ، بل يلزم عن وضع ذلك أمور مستحيلة : منها أن تكون الأعضاء إن كانت إذا عدمت الغذاء ، عادت فجذبت من فم المعدة ، أن يكون غذاؤها من المعدة نفسها ، كما يكون غذاء النبات من الأرض نفسها . والأعضاء إنما تجذب الغذاء بتوسط الهضوم الثلاثة . ولو اغتذت من طريقين ، لم تكن طبيعة واحدة ، لأن الطبائع المختلفة تغتذى بأعضاء مختلفة ، ولذلك اختلفت آلات الهضم في الحيوان لاختلاف أجسادها ، واختلفت أغذيتها لاختلاف ذلك .
( 107 ) ولو كان سبب الشهوة إنما هو جذب الأعضاء لفم المعدة ، لكانت الشهوة لا تكف إلا عندما تكف الأعضاء عن الجذب ، ولكانت لا تكف إلا بعد الاغتذاء . ونحن نجد شهوة الطعام والشراب ، تكف في الحين عند ملء المعدة . فهنالك إذن مطلبان : أحدهما ما سبب الشهوة ، والآخر لم كانت تكف على الحين ، إذا امتلأت من الغذاء . فأما الأمر في المطلب الأول فبين من غير أن نتكلف ما تكلف جالينوس . وذلك أن الهواء المحيط بنا إنما يستفرغ ما في المعدة بتوسط الأعضاء المحيطة بها . فهو أولا يستفرغ الجلد بكيفيته غير الملائمة
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 341
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٤١