( 108 ) وقد تلطفت الطبيعة بأن جعلت المسافة التي بين هذه المنافذ بحال عجيبة ، لا يمكن معها أن تعدم الأعضاء المتوسطة بين هذه المنافذ الدم في وقت من الأوقات إذا قصدت لاجتذابه ، ولا أن تعرقها بكثرة الانصباب في وقت من الأوقات ، وهي لا تحتاج إلى ذلك . وجهة اغتذاء الأعضاء التي يضعها أرسسطراطيس تكون بأن ينجذب الغذاء أولا في الأجزاء التي تليها من العضو الواحد المتصل ، ثم من تلك الأجزاء إلى ما يليها ، ثم من هذه إلى التي تليها ، إلى أن تصل كيفية الجوهر إلى جميع أجزاء العضو .
( 109 ) وأما الأعضاء التي تحتاج أن يستحيل الغذاء فيها ، وحينئذ يغذوها استحالة طويلة ، فإن الطبيعة جعلت فيها تجاويف ومخابئ لينضج فيها الغذاء ، ثم يسرى إلى جميع العضو . مثال ذلك أن اللحم الذي بين العضل يغتذى من الدم باستحالة يسيرة . وأما العظام فباستحالة طويلة ، ولذلك نجد الطبيعة جعلت في العظام الكبار الدم مصبوبا في تجويف كل واحد منها ، وجعلته في العظام الصغار التي لا بطون لها مصبوبا في تجاويف كثيرة منها .
( 110 ) ولذلك كان منزلة المخ في العظام منزلة الدم ، يعنى أن الدم يستحيل مخا . وحينئذ يغذو . والأشبه أن يكون المخ فضلة عند العظم ، كما يقول أرسطو .
لكن مزاجه في غاية من المضادة لمزاج العظام ، لأن العظام باردة يابسة ، والمخ حار رطب . لكن في أمثال هذه الفضلات حفظ البدن ، لأن كل موجود إنما يفسد من قبل الكيفيات الغالبة عليه . ولذلك تخرج الطبيعة أمثال هذه الفضلات .
ومن هنا ظن جالينوس أنها مادة لها لا فضلة .
( 111 ) قال : وذلك أنا قد بينا في المقالة الأولى من هذا الكتاب أن هذه الأشياء المتشابهة في الجوهر ، يمكن أن يستحيل بعضها إلى بعض . وأما التي
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 286
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٨٦