جوهرها غير متشابه ، فليس يمكن أن يستحيل بعضها إلى بعض ، من غير أن تكون هنالك استحالات متوسطة واحدة أو أكثر من واحدة . ومن هذا الجنس الرطوبة المخاطبة التي توجد مصبوبة في الغضاريف ، والرطوبة اللزجة المبثوثة في الرباطات والأغشية والأعصاب . وذلك أن كل واحد من هذه مؤلف من ليف كثير ، وهو متشابه الأجزاء ، ومحله محل الاسطقسات المحسوسة من البدن . وأما المواضع التي بين ذلك فيوجد فيها مبثوثا ، الخلط الملائم جدا للاغتذاء به ، وهو الذي تجذبه الأعضاء من العروق من الدم ، وتختار منه ما هو أشد ملاءمة وموافقة ، ثم تشبهه قليلا قليلا بجوهرها ، حتى تغيره إليه .
( 112 ) قال : فجميع هذه الأشياء يشبه بعضها لبعض ، ويشهد لصحة ما بينا فيما تقدم . ولذلك لا ينبغي أن نطول كلامنا ، لأنه يمكن من وقف على ما قلناه ، أن يأتي بسهولة بأسباب الأشياء الجزئية التي تظهر في هذا الجنس ، مثل السبب في أن كثيرا من الناس يشربون شرابا كثيرا ، فينفذ ذلك الشراب في أبدانهم سريعا جدا ، ويبولون كل ما يشربونه إلا اليسير في مدة يسيرة .
وذلك أن العلة في سرعة نفوذ ما ينفذه من ذلك هو الملاءمة في الكيفية ، وسرعة الانهضام ولطافة الشراب ، وسعة العروق ، وشدة القوة الجاذبة . فلا تزال أعضاء الهضم تختطف هذا الشراب لملاءمته ورقته ، بعضها من بعض ، حتى تنتهى من المعدة ، إلى الكبد ، إلى العرق المجذب ، إلى الكلى ، إلى المثانة ، في زمان يسير .
وليس يتعجب عند الوقوف على هذه الأسباب من أن يكون الشراب في هذا أنفذ من الماء ، لكونه أشد ملاءمة وألطف منه . وهذه هي الأشربة البيض الصافية . فإن هذه الأشربة يسهل نفوذها ، وأما الأشربة السود الكدرة فيعصر نفوذها ويبطئ بسبب غلظها .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 287
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٨٧