المواد متقابلة ، وأحوال في الأعضاء متقابلة . وذلك أن كل واحد من الأعضاء إذا اجتذب إليه الخلط الملائم له ، ثم أمسكه حتى نال منه لذته ، دفع عن نفسه على الفور ما فضل منه بقدر طاقته في أسرع ما يمكنه ، وأسهله في الجهة التي تميل إليها تلك الفضلة . ولذلك نجد المعدة تستفرغ الفضول التي تطفو عليها بالقئ ، والتي ترسب فيها بالذرب . وأما التهوع فهو حقن المعدة لاستفراغ ما فيها بالقئ ، وقد يبلغ من شدة حقن المعدة الدافعة وقوتها أن تتقيأ الزبل إذا انسدّ المنفذ السفلى من العلة التي تسمى قولنجا صعبا ، مع أنه ليس يمكن أن يخرج هذا الفضل من الفم حتى يمر بالأمعاء الدقاق كلها ، وبالمعا الصائم ، وبالباب ، وبالمعدة ، وبالمرئ . وإذا كان ذلك كذلك ، فليس أيضا منكرا أن تقول إنه يأتي من السطح الخارج من الجلد إلى الأمعاء والمعدة ، بالانتقال من عضو إلى عضو .
وما كان قبل ، قد ترقى إليه من الغذاء ، كما قال أبقراط . ولم يقل إنه ينجذب عن ذلك هواء أو فضل من فضول الغذاء على جهة الاستتباع ، لكن على أن الغذاء نفسه يندفع من السطح الخارج إلى الموضع الذي منه ترقى إلى الجلد عن القوة الدافعة ، فإن فعل هذه القوة إنما يحتاج فيه إلى ميل يسير ، لأن فعلها يكون بالليف الممتد عرضا ، فإذا أعانها الوضع كانت حركتها بسرعة وسهولة . ولذلك نقول : إنه إذا تكاثف الجلد من البرد تكاثفا شديدا خارجا عن العادة ، قدر أن يدفع الفضل المستقر الذي فيه إلى الأعضاء التي تليه إلى أعضاء أخر ، حتى تبلغ إلى الأقاصى الداخلة من العروق . وبالعكس أيضا أن تدفع الأعضاء الداخلة الفضل الذي فيها ، حتى تنفذه إلى الجلد أو تجذب ، كما يظن ذلك في الأدوية المسهلة من أنها تجذب .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 276
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٧٦