وأقوى من جذب الكبد ودفعها ، وأن الكبد يفعل ذلك أشد وأقوى من الأمعاء والمعدة ، والعروق الضوارب تفعل ذلك أشد وأقوى من غير الضوارب .
( 77 ) وأما الأمر الخاص بكل واحد منها ، فهو أن الكبد ربما كانت أقوى من المعدة ، وربما كانت المعدة أقوى منها . وذلك أنه إذا كان في المعدة غذاء كثير ، وكانت شهوة الكبد إليها شديدة ، كان جذب الكبد أقوى . وبخلاف ذلك إذا كانت ممتلئة بموادها ، والمعدة خالية ، كان جذب المعدة أقوى . فكما أنه إذا أمسكنا بأيدينا بعض الأغذية وتخاطفناها بيننا ، وكانت حاجتها متساوية ، كان الأقوى منا والأغلب هو الجاذب . فإن كانت شهوة الأقوى ضعيفة لم يمتنع أن يجذب منه الأضعف إذ كانت شهوته أقوى من ذلك الغذاء كله ، وكذلك حال الأمر في الكبد والمعدة .
( 78 ) قال : السبب ، في أن الحيوان كثيرا ما لا يجوع ، كثرة الغذاء في الكبد وإفراطه ، فإنه إذا وجدت المعدة فضلا معدا لها سهل المأخذ ، لم تكن بها حاجة إلى تناوله من خارج ، ومتى احتاجت في وقت من الأوقات ولم تجد غذاء امتلأت فضولا . وهذه الفضول هي صديدية من جنس المرار وأخلاط بلغمية ومائية ، وهي التي يدفعها الكبد إذا اجتذبتها في وقت حاجتها إليه المعدة .
وذلك أن الأعضاء كما يجتذب منها من بعض الغذاء في وقت الحاجة ، كذلك يدفع بعضها إلى بعض الفضول في وقت التأذى بها . وكما أن الجاذب الأقوى يغلب الجاذب الأضعف ، كذلك الدافع الأقوى يغلب الدافع الأضعف . والسبب في المواد المنصبة من عضو إلى عضو ، هو هذا السبب بعينه . وذلك أن في كل عضو قوة تخصه ، بها يدفع الفضول عنه . فإذا ضعف واحد منها بحسب حالة
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 274
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٧٤