( 60 ) قال : وأنا أعلم أن هذا بالإضافة إلى ما قاله القدماء في هذا إما لا يفيد مزيد علم ، وإما إن أفاد ، فشئ يسير ، وذلك أن القدماء قد بينوا أشياء كثيرة على أفضل ما يكون . غير أن كثيرا من أهل زماننا لا يفهمونها بجهلهم ، ولا يرومون ذلك لتوانيهم ، ولا إن فهموا من ذلك شيئا بحثوا عنه على ما يجب .
( 61 ) ولذلك أرى أنه يجب على من رام أن يتقدم غيره في المعرفة ، أن يكون أولا في طبيعته وتأدبه بعلم المنطق ، على أفضل ما يوجد عليه كثير من الناس ، حتى يكون رجل يداخله من العشق لمعرفة الحق ، بمنزلة ما يداخل من ذلك من يوحى إليه اللّه بذلك وحيا ، ولا يترك النظر ليلا ولا نهارا ، لكي يكون نظره متصلا وهمته مصروفة إلى فهم ما قاله أفاضل القدماء . فإذا فهم جميع ذلك داور البحث عنه زمانا طويلا ، ولكن فيما يوافق من آرائهم ما يظهر بالحس ، وفيما يخالفه ، فيختار ما يوافق الحس من ذلك ويناقض ما يخالفه .
( 62 ) قال : وأنا أرجو أنه سينتفع بهذه الوظيفه منفعة عظيمة ، من كان من الناس حاله في ذكاء طبعه ، وعشقه للحق العشق الذي قلناه ، وإن كانوا قليلا جدا . فأما عند أكثر أهل وقتنا ، فما كتبته فهو أفضل بمنزلة من يمثل للحمار مثالات .
( 63 ) قلت : هذا قول جالينوس في وقته ، مع إقبال الناس على الحكمة ، واتفاقهم على فضلها على جميع الأشياء وتقدمها على سائر المعارف الإنسانية ، فكيف لو أدرك زماننا هذا وما هم عليه من ذم الحكمة وازدرائهم بأهلها واعتقادهم الآراء المناقضة للمعقولات الأول وإعجابهم بها .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 268
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٨