( 56 ) قال : وليس يتبين من وضع المرئ كيف يكون الازدراد ، أعنى هل تجذب المعدة ، أو بتأدية المرئ إياه إلى المعدة . وإنما الذي يتبين من ذلك أنه لا يكون الازدراد بسقوط الأطعمة في المعدة .
( 57 ) قال : وأما نحن ، فقد وضعنا الآراء ، التي تدرك من تركيب هذه الآلات ، ومن الأعراض اللاحقة لها قبل أن أكشف عن المرئ بالتشريح ، وتقرر ذلك وتأكد بعد أن كشفت من أمر هاتين الطبقتين ؛ أعنى أنه تبين أن الخارجة منها للعصر على الأطعمة ، والداخلة للجذب . وقصدي بذلك كله أن أبين أن في كل عضو مغتذ قوة جاذبة وماسكة ومتغيرة ودافعة ، وجعلنا مبدأ ذلك مما يظهر من أمر المعدة .
( 58 ) قال : وبينا مع ذلك أن الهضم يكون بالاستحالة ، فصح من هذا البيان أن في الطحال قوة تجذب ما يلائمه ، وتدفع ما ينافره ، وتمسك ما من شأنه أن يجتذبه ريثما تغيره . وكذلك في الكبد وفي العروق الضوارب وغير الضوارب وفي القلب وسائر الأعضاء . وتبين من هذا أن قضاء بعض الأعضاء المنافر لها قد يكون ملائما لعضو آخر ، كما أن فضول الحيوانات قد تلائم حيوانات أخر مثل ملاءمة زبل الإنسان للكلب والخنزير . وهكذا في حال فضلة المعدة عند الكبد ، وحال فضول الكبد عند الطحال والمرارة والكليتين .
( 59 ) قال : وإنما تكلمت في هذه الأشياء ، مع أن القدماء قد ذكروها ، لأنى قصدت أن أقيم البراهين في ذلك وأبطل المعاندات الكاذبة لما حدث من السوفسطائيين في هذا الوقت الذين يردون المحسوسات ويناقضون القدماء كثيرا . واعلم أن القدماء لو ناقضوهم ، لما ناقضوهم إلا بهذا الذي قلته .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 267
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٧