( 50 ) قال : فقد تبين من هذه الأشياء أن الطبقة الداخلة من طبقات المعدة ، هي التي يمتد ليفها طولا ، جعلت للجذب من الفم ما يرده ، ولذلك صار فعلها إنما يكون في وقت الازدراد فقط . وأما الطبقة الخارجة منها وهي التي ليفها عرضا ، فجعلت لتحتوى وتنقبض على ما يجذب بالطبقة الداخلة . وقد تفعل أيضا في وقت القئ فعلا ليس هو يبين فعلها في الازدراد .
( 51 ) قال : وقد يشهد لما قلناه ما ترى في الحيوان البحري المسمى حاما والمسمى كذا مرّة ، وذلك أن معدة هذا الحيوان كثيرا ما توجد قد خرجت إلى فمه ، كما حكى ذلك أرسطوطاليس في كتابه في الحيوان ، وقال : إن السبب في ذلك هو شره هذا الحيوان . وهذا قوله ، قال : ترتفع المعدة من جميع الحيوان في الشهوة إلى فوق ، ولذلك إذا عرضت هذه العلة لمن عرضت قيل فيه إن علته هي ارتفاع المعدة إلى فوق . ومن الحيوان من تختطف معدته الطعام من فمه أن يجيد مضغه .
( 52 ) قال : وهذا أكثر ما يعرض من الحيوان لمن اجتمعت فيه ثلاث خصال : شهوة قوية ، وقصر في مريئه ، وسعة في فمه . ولذلك بعض السمك المسمى كذا إذا اشتد جوعه وجرى خلف بعض السمك الذي يأكله أن يكون إذا حصل بالقرب ، بادرت معدته فخرجت إلى فمه . وأما إذا لم تكن الشهوة قوية ، فإن المعدة تجذب الطعام من الفم بالمرئ بمنزلة ما تجذبه باليد من خارج .
( 53 ) قال : وقد يكتفى من كان طبيعيا أن يأخذ البرهان على أفعال الأعضاء من تركيبها وخلفها ، فإن الطبيعة لم تجعل المعدة من طبقتين ، كل واحدة منهما تخالف صاحبتها في الخلقة عبثا وباطلا .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 265
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٥