( 32 ) وهذه حال المغتذى مع الغذاء . إلا أنه متى كان أثر المغلوب يسيرا ، كان غذاء . ومتى كان كثيرا ، كان دواء .
( 33 ) والأعضاء تختلف في هذه القوة الفاعلة للغذاء . فالمعدة وإن كانت تقهر الأغذية وتحيلها ، ففعلها في ذلك دون فعل الكبد والقلب والعروق الضوارب وغير الضوارب ، وأكثر من ذلك فعل الفم فيه . وإنما كان فعل الكبد أكثر من فعل المعدة ، لأن فعل الكبد هو إحالة فضلة المعدة دما ، وجوهره بعيد من جوهر فضلة المعدة ، وهو الذي يسمى كيلوسا . والمعدة ليس تقلب الغذاء من صورة إلى صورة بعيدة لكنها متقاربة ، والفم في ذلك أضعف من المعدة ، ولذلك كان تهيئنه لغذاء البدن أقل من تهيئة المعدة ، وتهيئة المعدة أقل من تهيئة الكبد .
ويستدل على إحالة الفم الأغذية أنها بقيت في المواضع الخالية منه الليل كله ، مثل الخبز . لم يبق الخبز خبزا ولا اللحم لحما ، بل ينقلبان إلى رائحة الفم ، وينحل ويذوب ، ويقبل كيفية من كيفيات لحم الحيوان المغتذى به .
( 34 ) قال : ويمكنك أن نعرف عظم استحالة الأطعمة في الفم ، إذا مضغت حنطة ، وضمدت بها بعض القروح غير النضيجة ، فإنك تجد تلك القروح قد استحالت ونضجت بسرعة ، وليس نجد الحنطة إذا نقعت في الماء وعجنت به تفعل ذلك الفعل . وليس هذا فقط ، بل يوجد البلغم الذي في الفم يشفى القوباء ويقتل العقارب ساعة ينفث عليها ، ويقتل العقارب أكثر من سائر الحيوان ذوات السموم ، فبعضها يقتلها على الفور ، وبعضها بعد مدة ، وهو بالجملة يضرها مضرة عظيمة . فأما الأطعمة التي تمضغ فإنها تنتفع في البلغم الذي في البلغم ، وتتعجن
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 257
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٥٧