( 57 ) قال : وذلك أن السبب الأول في حدوث الاستقساء إنما هو عدم تولد الدم على نحو ما يحدث الذرب ، إذا لم ينهضم الطعام في المعدة ، ولسنا نجد الكبد يتحجر في شئ من أصناف هذا الاستسقاء ولا غيرها من سائر الأحشاء .
إلا أن أرسسطراطيس لما استهان بالأشياء التي لم يستهن بها أبقراط ولا غيره من أفاضل الأطباء ، ولا أفلاطون ولا أرسطو ، ولا واحد من أفاضل الفلاسفة ، ترك ذكر أفعال كثيرة ليست بخسيسة ولا حقيرة من الصناعة . ولم ير أن يعرض بتصويب أو بتخطئة لقولهم إن تدبير جميع ما هو في البدن إنما يكون بالحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، بعضها على أنها فاعلة ، وبعضها على أنها قابلة للفعل ، وأن أقواها فعلا الحرارة ، وخاصة في تولد الأخلاط .
( 58 ) قال : من كذب أمثال هذه الآراء مع مبلغ كثرة من قال بها من أهل الحكمة وتوهم أنه أعلم منهم ، فهو من فعل الحساد . وأما من سكت عن أمثال هذه الآراء كما فعله أرسسطراطيس ، يظهر من أمره أنه متواضع في جميع خصوماته . وذلك أنه عاند في أمر الهضم من زعم أنه يعفن من الأغذية ، وعاند أيضا من توهم أن الدم ينفذ إلى العروق غير الضوارب ، بسبب وضعها من العروق الضوارب ، وعاند من قال في التنفس : إن الهواء يندفع فيه قسرا ، ومن قال : إن البول يصير إلى المثانة على جهة البخار ، ومن قال أيضا : إن الشراب يصير إلى الرئة . فعلى هذا نجده في معانداته بقصد إلى الآراء التي هي في غاية الرداءة فيفسخها .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 225
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٢٥