بمنزلة الحلة أو المنحل أو السلة التي تلف على أطرافها أجزاء شبيهة بالأجزاء التي كان منها تركيبها من أول الأمر . وهذا ليس يسمى نموا ، بل يسمى تكونا .
لأنا إنما نقول في الحلة والبيت ، وأمثال هذه ما لم تتم صورته ، إنها تتكون ، لا نقول إنها تنمو . وإذا كان ذلك كذلك فمن البين أن ما ينمو إنما ينمو بعد أن تتم صورته . وذلك إذا كان للحيوان سبل وفم وبطن ، وما بعد هذه من الأعضاء .
فالنمو إنما يكون لما تمت صورته . وبالجملة فالنمو يكون لما هو موجود ، والكون لما لم يوجد بعد .
( 29 ) وهذا كله ما كان يذهب على أرسسطراطيس ، لو كان كما قالت شيعته : قد لقى الفلاسفة المعروفين بالمشائين . وذلك أن هذا الرجل وإن كان يوافق المشائين في مدحهم الطبيعة ، ووصفهم إياها بأنها حكمية ، فإن سائر ما يقوله ليس يقرب منهم في واحد منها . فإن من قرأ كتاب أرسسطراطيس وثاوفرسطوس ، وعلم أنها إنما هي تذاكير لأقاويل أبقراط في الطبائع . وذلك أنه أول من قال إن بالكيفيات الأربع تفعل الأشياء بعضها في بعض وتتمازج بكليتها ، وإن جميع ما يغتذى يقبل الغذاء في جميع أجزائه ، وإن الهضم استحالة مّا في الغذاء إلى كيفية المغتذى ، وإن النمو يحدث عن اغتذاء الجسم وامتداده إلى جميع الجهات ، فإن بالحرارة الغريزية يكون الهضم وسائر القوى . وبالجملة ، فكل ما قيل في القوى ، وفي تولد الأمراض ، وفي وجود العلاج ، فإنه يعلم أن أول من قاله على الصواب أبقراط ، ثم شرح ذلك كله بعده أرسطاطاليس شرحا محكما .
( 30 ) فإن كان لا يرى هذا كله أرسسطراطيس ، فأي منفعة كان له في لقاء المشائين . وإنما أراد بذلك أصحابه ليصححوا كلامه في الطبايع . فيقال : إن
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 213
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢١٣