بالدلائل التي يظهر منها أن المرة الصفراء أرق من الدم ، وهو أن نفوذها في العروق أسهل من نفوذ الدم بذلك بعينه ، يظهر أن المائية التي في الدم أرق منها . ولكن ما يكون من التمويه في رد هذا المحسوس ، هو شهيه بما يفعله بعض المغالطين من الصراعين ، وذلك أنهم إذا ضرب بهم الأرض شدوا على عنق الذي ضرب بهم الأرض ليوهمون بما يمنعونه من القيام عنهم أنهم الغالبون .
( 21 ) والأصل الذي يعول عليه في تثبت وجود هذه القوى في هذه المنافذ ، إذ لو لم تجعل الطبيعة قوى في جسم الحيوان منذ مبدأ الخلقة ، بها يجذب الغذاء ويهضمه ويدفع فضله ، لما بقي بدن الحيوان زمانا يسيرا ، فضلا عن زمان طويل . وذلك من زعم أن الحيوان لا مدبر له ، وأنه عديم لعناية الطبيعة به وقيامها عليه . وأن ما يظهر فيه من هذه الأفعال ، إنما هو بحسب طبيعة المادة التي خيل منها ، من غير أن تكون فيه قوة من هذه القوى أصلا ، كان أهلا أن يضحك به ، متى تكلم في الأفعال الطبيعية مع أحد . وأكثر من ذلك في الأفعال النفسانية ، لأنه ما كان يمكن أن يبقى الحيوان واحدا ، طرفة عين ، وهو مركب من أعضاء مختلفة وقوى مختلفة ، إلا أن تكون هنالك قوة رابطة لجميع تلك الأفعال .
وجعل فعلها من أجل فعل بعض ، وفعل الجميع من أجل بقاء الكل . وذلك أن الطبيعة التي جبلت الأعضاء بالصور والأشكال الموافقة لها ، وأثمنها قليلا قليلا ، وحفظتها بالاغتذاء ، هي سارية في جميع البدن ، وليست من خارج كالصناعة . وذلك أن صناع التماثيل إنما يصورون منها ويشكلون وينمقون الخارج ، وأما داخل التماثيل فلا يمكنهم ذلك فيها ، بل يبقى الداخل غير مزين ولا منمق . وزائدا لهذا أن الطبيعة تعمل أولا من مادة واحدة مواد كثيرة ، موافقة لأعضاء كثيرة . ذات
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 210
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢١٠