( 25 ) قال : لكن متى توهمت هذا الفعل للمنى من غير فكر ولا روية ، كنت قد أحطت به علما ، لأنه لو كان له فكر لكان المنى إنسانا . وإذا كان ذلك كذلك ، فقد أقررنا جميعا نحن وأرسسطراطيس أن في المنى قوة جاذبة ، بها تقدر كمية الدم المنصب إليه في الرحم . وذلك أن أول أفعال المنى ، هو أن يجتذب إليه من الدم مقدارا معتدلا . والمعتدل منه ، هو ما كان من اللطافة والهوائية بحال ، إذا اجتذبه المنى ، أجابه .
( 26 ) قال : وإذا كان هذا كله هكذا ، فقد وجدت أيضا مع القوة الجاذبة في التوليد قوة متغيرة ثانية ، ولم يذكرها أرسسطراطيس في شئ من كتبه . وثالثة ، وهي المصورة ، وهي التي يعمل بها المنى غشاء رقيقا يحيط به ، بمنزلة الغشاء الذي يعلو على الرطوبات الغليظة . وهذا الغشاء ، هو الذي رآه أبقراط مشتملا على المنى الذي سقط من الجارية المغشاة بعد ستة أيام ، وشبهه بالقشرة الداخلة من قشور البيضة ، ثم يتولد بعد ذلك سائر ما وصفه أبقراط في كتابه في طبيعة المنى .
( 27 ) قال : ولو كان كل واحد من الأعضاء المصورة تثبت صورته ، على ما هو عليه من الصغر من أول كونه ، لم يكن لينتفع به ، بمنزلة ما يظهر من أمر القلب ، أنه في أول خلقته بمنزلة حب الحاروس . فلا بد إذن أن ينمى وينشأ . ونموه إنما يكون باغتذائه وامتداده في جميع أقطاره ، كما تقدم من قولنا .
( 28 ) قال : فيظهر أن هاهنا قوة منمية ، وقوة مغذية ، وهذه كلها جهلها أرسسطراطيس من أفعال الطبيعة ، مع مدحه لها . فإذن نجده يتوهم أن نموّ الحيوان ،
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 212
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢١٢