قال : ولذلك أمثال هذه إذا وردت على المعدة الباردة شقتها ، وعلى الحارة أضرت بها ، بضد الأمر في الخس ، أعنى أنه يصلح المعدة الحارة ويضر الباردة .
( 38 ) قال : وهذا القول كله معلق بأصل واحد ، وهو أن في كل واحد من الأبدان مزاج خاص به ، يناسب به ، ويشاكل طبيعة ما خاصة من الأدوية والأغذية غير الطبيعة التي تشاكل غيره . فالذي يغذو مزاجا وينقلب إلى جوهره ، غير الذي يغذو مزاجا آخر وينقلب إلى جوهره . وكذلك الذي يسخن مزاجا ما قد يبرد غيره . فتكون هذه كلها داخلة في باب المضاف . مثال ذلك أنه كما أنه ما هو يسار لزيد قد يكون يمينا لعمرو ، وكذلك ما هو غذاء للإنسان قد يكون دواء الحيوان آخر ، وبالضد . مثال ذلك أن الشوكران غذاء للزرازير وللإنسان دواء ، والخربق للسمان غذاء وللإنسان دواء .
( 39 ) وإذا كان ذلك كذلك فهو بين أن الذي يوقف به بالحقيقة على أنه دواء أو غذاء بالإضافة إلى الإنسان أو غيره ، أو بارد أو حار ، ليس لمعرفته طريق غير التجربة . وذلك أن الدواء قد تكون الحرارة الغالبة على طبعه ، ويكون بالإضافة إلى إنسان مبردا وبالعكس .
( 40 ) وإنما استعمل في هذه الصناعة الاستدلال من مزاج الدواء على فعله في مزاج الإنسان إذا لم يكن فعل الدواء في البدن بالتجربة ظاهرا ، أو كان فعلا مختلطا ، أو كان بالجملة فيه شك ، أو لم تظل تجربته . فحينئذ ينبغي أن نحدس من مزاج الدواء على فعله في بدن الإنسان لكن ليس ينبغي أن نجعل وقوفنا إذا سلكنا هذه الطريق على مزاج الدواء ، من الأشياء العارضة له لكن من جوهره أو من الأشياء التابعة لجوهره ، لأن منها يكون البراهين . مثال ذلك أن الزيت
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 152
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٢