فكيف تبرد . والجواب أن هذه أمور إضافية ، وليست أمورا موجودة بذاتها ، فلا يبعد أن تكون الحرارة التي تأخذ ، هي الأدوية من البدن ، بالإضافة إلى الحرارة الغريزية ، مطفئة لها ومبردة ، فإنا قد نجد النار التي في المواد المختلفة يطفئ بعضها بعضا ، وهو شئ ذهب على هذا الرجل ، مع أنه يصرح أن ما يقال في الأدوية من أنها تسخن وترطب وتبرد وتغدو ، هي أمور إضافية . ولذلك يسخن حيوانا مّا ما يبرد آخر ، ويغذو حيوانا مّا ما هو سم في حق آخر .
( 30 ) وقال : وطبيعة الأشياء التي تغذو بسرعة ، فهي في غاية الموافقة ، والتي لا تغذو ففي غاية الخلاف . وأما سائر الأسماء كلها ، فهي بين هذين . وذلك أن بعضها شأنه أن يفعل في البدن أكثر مما يفعل فيه البدن ، مثل الجندبادستر والفلفل ؛ وبعضها من شأنه أن ينفعل من البدن أكثر مما يفعل في البدن ، مثل العسل وكشك الشعير . والسبب في هذا كله أنه متى تلاقى جسمان بينهما تضاد ، فلا بد أن يفعل كل واحد منهما في صاحبه ، وإن كان أحدهما في غاية الضعف فإنه يظهر فعله في زمان طويل إذا دامت المقاومة بينهما ، وإن كان ليس يظهر عند الحس في الزمان اليسير . مثال ذلك قطر الماء الواقع على الرخام حتى يثقبه ، والسكين الذي يكل عن قطع الأشياء الرطبة . وذلك أنه ليس يظهر أثر في هذه الأشياء من الضعيف في القوى من صدمة واحدة ولا من صدمتين ، ولذلك جحد قوم أن يكون للأشياء تأثير بعضها في بعض ، وذلك أنهم قالوا إذا كانت نسبة القطرة الأولى إلى الثانية ، نسبة الثالثة إلى الثانية والرابعة إلى الثالثة ، وكانت الأولى لا تؤثر ، فلا واحدة منها مؤثرة .
( 31 ) قال : وقد ينبغي أن نسامح هؤلاء بعض المسامحة إذا قصدنا العدل ، ونجيبهم بأن لكل قطرة أثر موجود ولكن غير محسوس ، وإن كان يلزمنا على هذا
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 149
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٤٩