( 36 ) قال : ولذلك يغلط كثير من الأطباء ، فلا يفرقون بين تزيد الحرارة التي تكون من قبل نموها ، وبين التي تكون من قبل اشتدادها . فإن القدماء على الوجهين كانوا يقولون في بدن الحيوان أنه قد صار أسخن ، وذلك أنه واجب إذا صار الخلط الحار الذي في بدن الحيوان أكثر . كأنك قلت الدم أو المرة الصفراء أن يضير الحيوان أسخن . وكذلك إذا صار أشد مما كان في الكيفية . وعلى هذا القياس يصير بدن الحيوان أبرد من هاتين الجهتين : إحداهما أن يصير الخلط البارد فيه أكثر مثل البلغم أو السوداء ، والآخر أن تزيد كيفية هذه الأخلاط أو يشتد بردها . إذا كان ذلك كذلك ، فأي عجب في أن يكون الطعام البارد في طبيعته مثل البقلة الحمقا والحماض والخس ما دام يستحيل عن البدن ، يبرده ، فإذا انقلب دما سخنه بالكمية وتولد منه دم محمود .
( 37 ) فجميع هذه الأغذية إذن فيها قوتان : قوة دوائية وقوة غذائية ، ولذلك ما كان من أمثال هذه ليس يستمرأ كان له قوة الدواء فقط ، أعنى التبريد .
مثال ذلك ماء الخس إذا عصر وشرب منه مقدار كثير لم يكن له فعل الا التبريد ، لأنه يفعل في بدن الإنسان هذه العصارة ما يفعل لبن الخشخاش . وذلك أنه إذا تنوول قبل أن يعصر ، كان له فعل الغذاء وفعل الدواء . وإذا تنوول بعد عصره صار له فعل الدواء فقط ، أو كان الغالب عليه هذا الفعل . وعلى هذا تكون الأغذية مع أنها منفعلة لها في البدن فعل يظهر مع طول المدة ، كما يظهر الكلال في السكين من قطع الشمع . وكذلك الأغذية الحارة يسخن بالوجهين جميعا مثل الخردل والفلفل ، ومن البقول الشبت والسذاب والفوذنج الجبلي والنهرى والنعنع . فإن هذه أيضا أدوية ما دامت في الاستحالة ، وأغذية إذا استحالت ، وهي تسخن بالوجهين جميعا .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 151
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥١