أن تكون أبداننا لا تخلو من الآفات في وقت من الأوقات ، لكن لسنا نحتاج إلى مثل هذا الشك في هذه الصناعة ، فإنه ما دام البدن لا يستضر فعله قلنا فيه إنه صحيح ، وكانت تلك الآفات جديرا ألا يلتفت إليها . وفي هذه الحال نسلم القول لمن قال إنها ليست في البدن موجودة أصلا .
( 32 ) قلت : الذي يصح أنها موجودة بالقوة لا بالفعل ، أعنى في الزمان اليسير فإنه إذا أخرج منها المقدار اليسير الذي بالفعل في زمان طويل جدا ، علمنا أنه لو قسمنا ذلك الفعل على أصغر أجزاء ذلك الزمان المحسوسة لم ينقسم أصلا ذلك الجزء الخارج إلى الفعل ، إلا على القول بالأجزاء التي لا تتجزأ .
( 33 ) قلت : ولكون هذا الأثر يظهر فيما له فعل ضعيف في زمان طويل ، كان فعل الأغذية في البدن يظهر في الشيخوخة ، حتى ينتهى بدن الشيخ إلى حد يكون فعل الغذاء فيه أكثر من فعله في الغذاء .
( 34 ) قال : ومن هذه الأشياء التي تغذو ما يحيل البدن في كيفية من زمان يسير إحالة بينة مثل الخس . وذلك أنها متى وردت على المعدة وهي ملتهبة بردتها تبريدا بينا ، وقطعت العطش ، ومتى وردت على المعدة وهي باردة أضرت بها على الفور ، وقد تعين على معونة كبيرة ببرد مزاجها ورطوبته . وإذا انهضمت هذه سخنت البدن . ولذلك يوجد في هذه فعل الأدوية والأغذية معا .
( 35 ) قلت : الصحيح أن مثل هذه الأغذية وإن استحالت إلى جوهر اللحم ، فهي إنما تستحيل إلى لحم أنقص حرارة من اللحم الطبيعي . وهذا هو الفرق الحقيقي بين الأغذية التي تخالطها دوائية أصلا ، وبين التي تخالطها . والأدوية المستعملة في هذه الصناعة تسخن وتبرد بالوجهين جميعا ، لأنه لا بد أن يكون فيها جزء ينهضم وإلا كانت سموما .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 150
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٠