تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
مع الخمر : وكما أن النار إذا ألقى عليها الحطب الرطب لم تنقلب إلى جوهر النار بسرعة ، بل يبطئ انقلابه ، وتبرد النار ، وربما أطفأ النار أو كثير من أجزائها . وإذا انقلب إلى جوهرها زادت في كمية النار . كذلك بعض الأطعمة التي لا تستحيل إلى أبداننا إلا بعد مدة طويلة ، فإنها تبرد أبداننا ما دامت تستحيل ، وإذا تمت استحالتها سخنتها . ولذلك كل غذاء إذا تمت استحالته أنمى الحرارة الغريزية ، فإذا لم يقو عليه البدن ، كان الأمر كما يقول أبقراط غذاء بالاسم لا بالفعل . وذلك أن الغذاء كما يقول على ثلاثة أنحاء التي تشبه بالمغتذى ، وصار جزءا منه بالفعل ، والآخر الذي هو في طريق التشهيه ، والثالث الذي هو غذاء بالقوة ، وهو الذي لم يأخذ بعد في السلوك والحركة إلى أن يكون غذاء بالفعل . والذي يسخن من هذه في الكمية ، ما صار غذاء بالفعل . ( 14 ) وإذا كانت كمية الغذاء أكثر من الواجب عسر استحالتها ، فيرد البدن ، فولد أمراضا باردة . ولذلك كانت الخمر إذا شرب منها مقدار كثير أورثت أمراضا باردة . وذلك مثل السكتة والسبات والفالج والاسترخاء والصرع والتشنج والتمدد ، وهذه كلها علل باردة . وذلك أنه يعرض للحرارة الغريزية من الكثرة ، مثل ما يعرض للنار من الحطب الكثير . والمصباح من الزيت الكثير . ولذلك كل غذاء فهو في طريق الاستحالة يبرّد البدن ، وإذا صار غذاء سخنه . وهذا كله موافق لما تقدم من أمر الاسطقسات ومن أمر الأمزجة . ( 15 ) لكن لعل ظانا يظن أن مما يناقض هذا أن بعض الأشياء التي تؤكل إذا وضعت على الجلد أحرقته وأحدثت فيه قرحا وإذا وردت على البدن لم تفعل ذلك مثل : الخردل ، والسمك المالح ، والثوم ، والبصل . والجواب من وجوه : أحدها ، أن هذه الأشياء تنقلب في جواهرها بسرعة في المعدة وفي الكبد وفي
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 144 | أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)