منهم كان لينا ناعما أبيض أزعر سمينا ، وكانت عروقهم دقيقة ، والعضل منهم ضعيف ، وكان من جس أبدانهم لم يجد فيها حرارة . وأعرف قوما آخرين على ضد هذا ، لم يتقيوا مرارا قط ، والبدن منهم قضيف أزب ، معضل شديد الحرارة إذا لمس . ومن كانت هذه حالة أوذيمش الفيلسوف ونحن ، فقد انكشف لنا سبب هذا مما انكشف لنا في التشريح ، وهو الذي لما جهله قوم من الأطباء تحيروا في سبب هذا .
( 57 ) وهو أن مجرى المرار الذي يقذف فيه الكبد بالمرة الصفراء إلى البطن ، هو في بعض الأبدان قسمان ، وفي بعضها واحد ، وهو الأكثر كما نجد ذلك في تشريح الحيوان ذي التوائم الأربع . وذلك ، أنا نجد هذا المجرى في الأكثر مجرى واحدا يلتحم فيما بين الموضع المعروف بالبواب ، وهو المنفذ الأسفل من المعدة وما بين المعا المعمى الصايم . ونجد هذا المجرى في بعض الناس ينقسم قسمين ، فيتصل الواحد بهذا الموضع وهو الأعظم في الأكثر ، ويتصل القسم الثاني بأسفل المعدة من فوق الموضع المعروف بالبواب قليلا . وربما كان في بعضهم هذا هو القسم الأعظم والآخر الأصغر ، أعنى الأسفل . ومن كانت هذه خلقته فإن معدته تمتلى مرارا أصفر كثيرا ، حتى يحتاج إلى القئ قبل الطعام . وأما من كان له المجرى الأسفل ، فإنه لا يعرض له هذا ، لأن المرار كله ينصب إلى المعا المعروف بالصايم .
ويعرف حال هؤلاء بكون بطونهم على هذه الصفات التي ذكرنا من برودة المزاج هي في الصفراء وأيضا فإن الذين ليس لهم هذا المجرى إلى المعدة . فان الذين يتقيون من الصفراء هو ما يتولد في المعدة ، وهذا هو كراثى . وأما ما ينصب إلى المعدة من الكبد ، فإن هذا المرار هو أحمر ناصع ، وإن كان أصفر فمشبع وليس يلحق من قبيته عدم الاستمراء الذي يلحق كمن ينصب المرار إلى معدته
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 130
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٠