الجلد فيها صادقة . وذلك أن الحرارة الغريزية تغور في البلاد الباردة إلى باطن أبدانهم وتبيض جلودهم وتلين ، وتغلب عليها البرودة والرطوبة ، فلا تدل في هذه البلاد هذه الأعراض على أن أمزجتهم باردة رطبة .
( 53 ) قال : وهذه هي مثل بلاد الأتراك ، وسائر الأجناس التي تلى جهاتهم ، وبلاد الصقالبة . قال : وأما الحبشان في بلاد الجنوب والغرب ، وبالجملة من يأوى بلاد الجنوب ، فإن أجوافهم باردة ، والأعضاء الخارجة منهم حارة يابسة ، وذلك أنه كما أن البرودة المحيطة من خارج بأهل البلاد الباردة توجب سخونة أعضائهم الداخلة ، لكون الحرارة الغريزية تحتقن في باطن أبدانهم ، كما يعترى ذلك في الأرض في زمان الشتوة ، أعنى أن يسخن باطنها ، كذلك تسخن أعضاء أهل البلاد الحارة الخارجة من الحرارة الشديدة المحيطة بهم ، وتبرد أطرافهم لا نفشاش الحرارة الغريزية منها إلى خارج ، كما يعترى في الأرض في زمان الحر ، أعنى أنه يبرد منها الباطن ويسخن الظاهر .
( 54 ) قال : وقد تكلم أرسطو في هذه الأشياء على أحسن الوجوه .
والسبب فيما قلناه من سكان البلاد الحارة أن الحرارة حرارتان : حرارة ملائمة ، وحرارة غريبة مستفادة من خارج . وجميع الأجساد تعفن من الحرارة الغريبة .
وإذا عفنت كانت هي أيضا حارة بالحرارة الغريبة ، باردة بالحرارة الملائمة . وهذه هي حال أبدان سكان البلاد الحارة دائما . وأما البلدان المعتدلة ، فتكون في وقت الشتاء الحرارة الغريزية أكثر ، وفي وقت الصيف تكون الغريبة أكثر .
وكذلك ينبغي إذا استدللنا من الجلد في البلاد المعتدلة أن نتفقد ألا يكون الذي ننظر فيه قد تعرض للشمس كثيرا أو لزم الاستكنان في الظل ، فإن الأول يصير
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 128
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٢٨