تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
المعتدل فيما بين الضدين الآخرين ، فإنه أقل زعرا . وأما صاحب المزاج البارد اليابس فإنه أقل زعرا من هذا أيضا . على أن قوما ظنوا أنه كما لا يمكن أن ينبت العشب وينمى في الأرض اليابسة ، كذلك لا يمكن أن ينبت الشعر في البدن اليابس . وليس الأمر كذلك ، وذلك أن الأرض يقال فيها إنها يابسة من جهة أنها أرض . والجلد يقال فيه إنه يابس من جهة أنه جلد ، واليابس من الأرض لا ندوة فيه البتة ، والجلد من الإنسان والحيوان الشبيه بالإنسان . فليس هو بعديم الندوة البتة ، لكن جلده من أوفق الأشياء لنبات الشعر ، ولذلك ليس ينبت الشعر على الحيوان الخزفى ، ولا على ما جنسه قشور ، ولا على ما جنسه فلوس ، لشبهه بالأرض اليابسة التي لا ينبت فيها شئ . والقياس في نبات الشعر مع الجلد في الحيوان هو القياس في النبات مع الأرض . فكما أن الأرض إذا أفرطت عليها اليبوسة لا ينبت فيها نبات ، كذلك ما كان من جلود الحيوان مفرط اليبوسة لم ينبت عليه شعر ، ونبت عليه ريش أو فلوس . وكما أن النبات لا ينبت أيضا في الأرض المفرطة الرطوبة ، كذلك لا ينبت الشعر في الأبدان المفرطة الرطوبة ، أعنى الشعر الذي هو فضل . وكما أن الأرض المتوسطة بين اليبس والرطوبة هي التي ينبت فيها العشب ، ولذلك يكون ثم « 15 » العشب في الربيع دون سائر الفصول ، بل يذوى في فصل الصيف ، ويسقط في فصل الخريف . وكذلك الجلد الذي ينبت عليه الشعر هو متوسط بين الجلدين . والأرض في حال الخريف في عدم النبات ، أشبه شئ بالأرض في زمان الربيع ، لأن هذا الوقت أعدل أوقات السنة . فمن قال إن نبات الشعر ليس هو في بدن يابس من قبل الأرض اليابسة لا ينبت فيها شئ ، فلا معنى له . وقد عرّفناهم قياس الأبدان في ذلك مع الأرض ، وإنما غلطهم اشتراك الأسماء .
هامش
( 15 ) تم : ثم الشئ - ثما : وقاه بالتمام ، وثم الشئ : أصلحه . [ المعجم الوسيط ] .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 121 | أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)