قال : وإذ قد تقرر هذا ، فلنرجع إلى ما كنا بسبيله .
( 37 ) فأقول : إنه إذا كانت الحرارة الغريزية باقية على اعتدالها ، والرطوبة متزيدة زيادة لم تخرج عن حدود الصحة ، لم يكن عند ذلك البدن سمينا ، لكن يكون كثير اللحم ، وقد يتزيد فيه السمين قليلا إلا أنه يكون أقل من تزيد اللحم بكثير . ولذلك متى كانت الرطوبة واليبس حافظين للاعتدال الطبيعي ، وكانت الحرارة ناقصة عن الطبيعة ، وجب ضرورة أن يكون ذلك البدن السمين فيه أكثر من اللحم . فإذا كان الأمر كذلك ، فتتزيد له الحرارة وتبقى اليبوسة والرطوبة على اعتدالها ، فإن ذلك البدن أميل إلى القضافة والسمن .
( 38 ) قلت : هذا كله فيه نظر . فإن مبناه على جواز خروج الجسم الممتزج من الاسطقسات الأربعة في كيفية واحدة من الكيفيات المزدوجة من غير أن تخرج معه الكيفية المقابلة لها ، وذلك شئ قد بينا أنه ممتنع ، فهو يضع هاهنا لما يظهر بالحس أسبابا غير متفق على وجودها ، كما زعم هو عن الأطباء الذين تكلموا في مزاج الشباب والصبيان . وحاصل ما يقوله إن الرطوبة الخارجة عن الاعتدال تقتضى كثرة اللحم ، لأن اليبوسة تقتضى القضف ، والحرارة المائلة عن الاعتدال ميلا يسيرا إلى البرد تقتضى كثرة الشحم . لأن الحرارة تغنى الجزء السمين من الدم ، وإذا اجتمع هذان السببان كان البدن كثير اللحم والشحم ، أعنى البرودة والرطوبة .
( 39 ) والذي يقتضى كلام القدماء على أصولهم في أن اختلاف السمن إنما هو تابع لاختلاف الأمزجة الخارجة في كيفيتين من الكيفيات المزدوجة ، وأن الدماء وإن كانت كلها حارة رطبة فهي تتفاضل تفاضلا متباينا في استحالتها إلى اللحم والشحم الذي هو الفضلة الدسمة التي في الدم . وذلك أن الشحم لما
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 118
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١١٨