زيادة الرطوبة فيها على الرطوبة المعتدلة تكون زيادة البرودة التي فيها على البرودة المعتدلة . وأما الأبدان التي السمين فيها ، أعنى الشحم ، أكثر من اللحم ، فالبرد فيها أزيد على الاعتدال . فأكثر مما الرطوبة فيها أن يدمر الرطوبة المعتدلة ، والتي السمين فيها أقل ، فالرطوبة أغلب عليها من البرودة . وذلك أن الحرارة إذا بقيت على اعتدالها الذي يخصها ، ثم كان في البدن مع ذلك فضل من الدم فهو يوجب أن يتبع ذلك كثرة اللحم .
( 35 ) قال : وليس يمكنني أن أصف لك المقدار الذي به يفضل الدم في هذا البدن على المقدار المعتدل ، أي مقدار هو من قبل الكمية ، لأن الكمية لا تدرك بالقول . ولكن أصفه لك من قبل ما يدرك بالقول .
( 36 ) فأقول : إنه ما دام لم ينل البدن الذي قد خرج عن الاعتدال شئ من الأعراض المزمنة ، فكثرة الرطوبة فيه لم تبلغ مبلغا يخرج به البدن عن الصحة . فإنا قد بينا في غير هذا الكتاب أن لمزاج الصحة غرضا ليس باليسير ، وأنه ما لم يخرج عن ذلك العرض لم يخرج إلى المرض . وتبين ذلك الآن .
فنقول : إنه إذا جعلنا الطبيعة المعتدلة في المزاج المعتدل كالسبار لجميع الأمزجة والطبائع ، وحكمنا من قبل هذا المزاج على خروج أمزجة كثيرة عنه ، مع أنها لم تخرج عن حدود الصحة ، علمنا أن للمزاج الصحي غرضا يختلف بالأقل والأكثر من قبل أن يخرج إلى المرض . ولذلك كان سوء المزاج الصحي غير سوء المزاج المرضى . وليس يمكننا في هذا أيضا أن ندرك مقدار الكمية . لكن الدليل لنا على وجود المزاج الصحي ألا نستضر أفعاله . وليس يمرض الحيوان بخروج مزاجه عن هذا العرض فقط ، بل قد عرض بأسباب أخر ، ذكرناها في كتابنا في الأمراض .
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 117
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١١٧