فمتى تميزت منه صفراء محضة دفعتها الطباع .
وما أمكن فيه أن يقبل النضج تغذت به الأعضاء .
وليس يمكن في الصفراء نضج بتة ولا فيها جزء تتغذى به الأعضاء أصلا .
وإذا لم يكن ذلك في الطبيعة فكم بالحري أن لا يكون ذلك في غير الطبيعة ، وإنما هذا الرأي من آراء الأطباء مبني على رأيهم أن هذه الأخلاط الأربعة اسطقسات المتشابهة الأجزاء ، وقد بينا الأمر في ذلك في كتاب الصحة .
17 - ولما كانت الحرارة الغريبة إنما تتولد في الرطوبة الخارجة عن الطبع ، مع ضعف الحرارة الغريزية ، لا مع زيادتها كما ظن جالينوس ، إذ كانت هي أسرع إلى التعفن ، إن قلنا إن كل حرارة غريبة عفونية فإن فيه نظر .
وذلك أن كل حرارة غريبة فإنها تتولد عند أرسطو أولا وبالذات إما عند الحر وإما عن البرد .
فإذا ضعفت الحرارة الطبيعية من البرد غلبت الرطوبة ، فتعجز الحرارة الغريزية أن تستولي على الرطوبة فيعرض العفن إذا كانت غير منحصرة من ذاتها بل من غيرها ، وأما إذا كان سبب الحرارة الغريبة الحر فإن الذي يعرض هو الشيء والاحتراق لا العفونة ، فلذلك ليس يلزم ضرورة أن تكون كل حرارة غريبة عفونية ولا كل حمى ، وبخاصة المحرقة .
فإن كانت الحرارة الغريبة في المواضع التي فيها الهضم ، أعني في فضلاتها ، نضج وطبخ من الأغذية ، وصار جزء عضو بالفعل ، إذا اجتمعت هنالك فضلات خارج عن الطبع حارة منسوبة إلى الصفراء .
إما في الكيفية أو الكمية أو كليهما .
وكانت الرطوبة الصفراوية في البدن إنما توجد في مواضع الهضم .
وكانت أعظم هذه المواضع إما الموضع الذي فيه الهضم الثاني وهو الكبد والعروق .
وإما موضع الهضم الثالث وهي التي في الأعضاء نفسها .
ولا يبعد أن يكون أمثال هذه الفضول في الهضم الأول ، كانت هذه الحميات صنفين :
الكليات في الطب — صفحة 92
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٩٢