وبالجملة تبين هناك أن الموجود الطبيعي إنما ينحفظ بقاؤه ما دامت القوى الفاعلة تقهر المنفعلة وتستولي عليها .
وأعني بالفاعلة الحرارة والبرودة وبالمنفعلة الرطوبة واليبوسة .
وأما إذا ضعفت عن تدبيره . وفعلت فيه القوى التي من خارج . صار في طريق الفساد .
15 - والأسباب المعينة في بدن الحي على تولد أمثال هذه الحرارة فيه ، هي ضرورة الأسباب المعينة على إطفاء الحرارة الغريزية . وذلك إما استعداد الموضوع فقط لتكون الحرارة الغريبة ، كالحال في الدم إذا تولدت فيه صفراء خارجة عن الطبع في كميتها وكيفيتها ، وإما بكثرة الدم وغلظه ولزوجته ، فيبرد الحرارة الغريزية ويطفئها بمنزلة الحطب الكثير الأخضر إذا وضع على النار .
والسدد الحادثة عن أمثال هذه الأخلاط مما يعين على ذلك ، فإنها تمنع الحرارة الغريزية من أن تتنفس فيعتريها ما يعتري النار التي لا تتنفس ، فإنها لا تلبث أن تنطفئ أو تضعف .
وذلك بين من فعل الذين يعالجون عمل الفحم ، فإنهم يغطونه بالتراب لئلا تسري النار في جميع أجزائه فيترمد .
وإذ قد تبين ما هي الحمى بإطلاق وما أسباب تولدها فقد يمكننا أن نقف على جهة تولد الحمى الصفراوية فنقول :
16 - إن أملك الأسباب في تولد هذه الحمى في أبدان الأحياء يكون لتزيد مزاج الدم في الحرارة واليبس ، واستعداده لأن يتولد فيه مثل هذه الحرارة أو استعداد فضلات الهضم الأخير التي في الأعضاء .
وأما الغلظ أو اللزوجة أو السدد فليس تتصور هاهنا ، اللهم إلا في الصفراء المحّيّة أو من جهة الكمية .
وينبغي أن تعلم أنه ليس في بدن الحي صفراء محضة على أنها جزء عضو منه ، على ما سلف من قولنا ، إلا الصفراء الموجودة في المرارة أو ما تدفعها الطبيعة من الأعضاء أو الدم عند تميزها .
ولذلك ليس يمكن أن يتوهم الموضوع لهذه الحميات الصفراوية هي صفراء محضة ، بل إنما هو دم ورطوبة الصفراء أكثر أجزائه ، وبذلك أمكن أن تقبل النضج وتصير إلى الحال الطبيعية .
الكليات في الطب — صفحة 91
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٩١