فقط أسبابا هيولانية لتولد مثل هذه الأخلاط في البدن ، بل وتكسب الأعضاء الفاعلة للغذاء سوء مزاج حتى يكون تولد الأخلاط الخارجة عن الطبع ، وتكون الأشياء التي من خارج تكسب الأعضاء الفاعلة سوء مزاج موافق لتوليد خلط خلط منها .
والأشياء التي من خارج هي مثل الأهوية والمهن وغير ذلك .
وقد يجتمع الأمران جميعا وحينئذ أعظم ما يكون تولد أمثال هذه الأخلاط وخروجها في الكمية والكيفية .
وقد يكون ذلك من رداءة مزاج أصلي في خلقة الأعضاء الفاعلة للغذاء .
وكثيرا ما يكون سبب هذا المزاج الآباء إذا كانت أمزجتهم منحرفة . وبهذه الاستعدادات الأولى التي في الخلقة ترى كثيرا من الناس متشابهين في الخلقة الظاهرة وفي التدبير ، ويختلفون فيما يصيبهم من كثرة الأمراض وقلّتها وفي طول العمر وقصره .
وإذ قد تبين أسباب حدوث هذه الأخلاط بإطلاق ، فينبغي أن ننظر كيفية حدوث واحد واحد منها وكم هي الأمراض التي تتولد عنه ؟ فنقول :
[ 3 - في أسباب الأمراض الحارة اليابسة المادية ]
9 - إن المرض الحار اليابس إنما يحدث متى كانت الأغذية في أمزجتها أحر مما ينبغي وأيبس ، أو كانت قليلة أو متباعدة الوقت : فإن الأغذية التي بهذه الصفة ، إذا وردت المعدة والكبد استحالت إلى أحر مما ينبغي وأيبس مما ينبغي مع أنها إلى جانب أنها تكسب المعدة والكبد مثل هذا المزاج فيكون فعلا ذلك بجهتين .
10 - وإذا كان ذلك كذلك ، فيكون الدم المتولد عنها أحر وأيبس مما ينبغي ، وتكون الصفراء « 1 » حينئذ أحر مما ينبغي أو أكثر أو كليهما ، فيختل لذلك فعل المرارة : إما أنها لا تفي بما تحتاج إليه من جذب الصفراء ، وذلك لخروج الصفراء عن المجرى الطبيعي في الكمية أو في الكيفية أو كليهما ، فتبقى الصفراء مبثوثة في الدم فلا تزال الأعضاء إذا تغذت بمثل هذا تخرج شيئا فشيئا عن مزاجها الطبيعي إلى الحرارة واليبس ، حتى يتولد فيها أمراض كثيرة . وهذا المعنى الذي يلحق من أمر الأغذية
هامش
( 1 ) الصفراء : خلط جلينوسي يرتبط بعنصر النار ويعتبر حارا وجافا .