وأجهد نفسه في ذلك تبددت الحرارة الغريزية ونقصت كميتها وبردت ، فعادت ضرورة لمكان الاحتياط والتوفر إلى مبدئها ، كما يعتريها ذلك عند ورود الأشياء المفسدة عليها والمضادة أن تتراجع إلى مبدئها .
فإن الجند متى دهمهم أمر فإنما يفزعون إلى الرئيس . ولذلك كان هذا العضو آخر عضو يبرد عند الموت . وهذا الفعل هو من فعل الطبيعة المدبرة لأبدان الحيوان ، ولهذا كان النوم من ضرورة وجود الحيوان الكامل . لأنه لولا النوم لفسدت حواسه بكثرة الاستعمال وإذا فسدت الحواس فسد الحيوان .
ولذلك تصفر وجوه الذين لا ينامون وتعتل أفعالهم وبخاصة الغاذية وأيضا فإن استعمال الحواس مما يبدد الحرارة الغريزية بانتشارها . وإذا بردت عادت إلى عمق البدن ونقصت كميتها .
121 - وينبغي أن تعلم أن هذا الفعل ، وإن كان إنما يكون بمزاج ما في الحرارة الغريزية ، وهو مزاج البرودة والرطوبة . فالفاعل بالحقيقة لذلك هي القوة المدبرة التي في القلب . والحرارة التي بهذه الصفة هي آلتها . ولذلك قد ينشأ هاهنا موضع فحص ، وهو لأي قوة من قوى النفس ينسب هذا الفعل ؟ ويشبه أن يكون ذلك للقوة الحسية ، إذ كانت هي التي تتوفر بهذا الفعل وتكمل أفعالها . وليس هذا للغاذية بما هي غاذية : فإن النبات ليس له نوم . إذ كان ليس له حس . وهذه القوة هي من قوى الحس للحس المشترك . وإنما نسبنا هذا الفعل للقوة الحسية ؛ لأنها أحد ما ينحفظ وجودها به .
122 - فهذه هو القول في جميع الأفعال الصحية بما هي صحية . وبين من منافع هذه ما هو ضروري في وجود الحيوان وما ليس بضروري . أما أعضاء القوة الغاذية وأفعالها فضرورية في وجود الحيوان ما عدا المولدة ، وكذلك حاسة اللمس .
ولذلك كان تعطل هذه القوة موتا ضرورة . وكذلك التنفس فعل ضروريّ .
ومن هنا يظهر أن الأشياء التي تجري من بدن الإنسان مجرى الحافظة هو الهواء والماء والغذاء .
وإنما تكون هذه الأشياء حافظة إذا كانت على المجرى الطبيعي . ولما كان
الكليات في الطب — صفحة 81
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٨١