المواضع إنما هي لها بمنزلة الآلات . فكما أن القوة الباصرة إنما تكون بالرطوبة الجليدية - مع أنها في القلب - كذلك هذه القوى .
ومنفعة هذه المواضع في هذه القوى هي التعديل على ما قلناه في منفعة الدماغ ، في سائر الإدراكات . والسبيل التي بها يتبين هذا هي السبل التي تقدمت .
وذلك أن هذه القوى إنما تفعل بالحرارة الغريزية ، والحرارة الغريزية المقدرة إنما تصل إليها من القلب . فالقوة المقدرة ضرورة في القلب . فهذه القوى إذن محلها القلب . وأيضا فإن القوة المتخيلة ، كما قيل ، إنما فعلها في الآثار الباقية من المحسوسات في الحس على ما تبين في كتاب النفس ، والحس المشترك قد تبين قبل أن محله القلب ؛ لأنه كالصورة للقوة الغاذية . والقوة الغاذية قد تبين أنها الصورة الأولى للقلب في الكون « 1 » فالمتخيلة ضرورة محلها القلب وأيضا فإن المتخيلة هي المحركة للحيوان بتوسط النزوعية ، والنزوعية في القلب فالمتخيلة إذن في القلب .
وحيث المتخيلة فهناك ضرورة المفكرة ، فإن الفكر إنما هو تركيب الخيالات وفصلها ، وكذلك حيث تكون المتخيلة فثم الذاكرة والحافظة ، وليس يجب من كون اعتلال هذه القوى باعتلال هذه البطون من الدماغ أن يقال : إن هذه القوى في الدماغ فقط .
كما أنه ليس يلزم عن اعتلال البصر باعتلال الرطوبة الجليدية أن يقال : إن قوة الإبصار الرئيسية إنما هي في الجليدية . وقد تعتل هذه القوى باعتلال الحجاب ، وليس أحد يظن أنها في الحجاب . ولما كانت هذه التجاويف من الدماغ ، إنما وضعت أولا من أجل هذه القوى ، هيئت في أمزجتها للفعل الموافق لهذه القوة . فالروح الغريزي إنما يكون أولا في البطنين المقدمين ، ومنهما يصير إلى البطنين المؤخرين في المسلك الذي بينهما . وللاحتياط والتقدير جعل في تلك المسافة أجسام تنفتح في وقت الحاجة لدخول الحار الغريزي منها ، ثم تنسد على ما ذكر في كتاب التشريح .
ولكون الدماغ جسما لينا رطبا وقي بعظم القحف وبالأغشية المحيطة به ، كما وقي القلب بأضلاع الصدر ، وجعل هذا العظم مستديرا إذ كان هذا الشكل هو
هامش
( 1 ) أي : التكون ، الوجود .