الغريزي إلى قعر البدن . وقد يشهد لهذا أن ظاهر البدن يبرد عند النوم . وأيضا فإن فعل الهضم يكون أتم عند النوم ، وذلك أن الحرارة الغريزية التي كانت تستعملها الطباع في ظاهر الجسم في الحس والحركة تنصرف حينئذ داخل الجسم ، إلى إنضاج الغذاء والفعل فيه .
ولما كان انبعاث الحرارة الغريزية على ما قيل قبل إلى ظاهر الجسم إنما يكون من القلب فرجوعها ضرورة في وقت النوم ، إنما هو إلى القلب . وذلك أن الموضع الذي منه تبتدئ الحركة إليه تنتهي كالحال في رئيس الجيش ، فإنه الذي إليه تنتهي الأخبار ، ومنه تبتدئ . وإذ قد تبين من أمر النوم أنه سكون الحواس وتعطل فعلها لانصراف الحار الغريزي المحمولة فيه إلى القلب ، فلننظر ما سبب هذا الانصراف : فإن هذا هو الذي يجري من تصور ما هو النوم مجرى الفصل الأخير ، فنقول :
119 - إن انتشار الحار الغريزي إنما يكون ضرورة بتزيد في كميته ، والتزيد في الكمية إنما يفعله تزيد الحرارة فيه . وأما انقباضه فهو نقص في الكمية . وذلك يكون ضرورة لغلبة البرودة والرطوبة عليه .
وإذا كان هذا كما وضعنا فالنوم إنما يعرض لنا عند برد الحار الغريزي الذي في القلب ورطوبته : فإنه إذا برد ورطب عاد إلى ينبوعه ونقصت كميته . ولما كانت منفعة الدماغ إنما هي في أن يعدل حرارة القلب ويبسه ، وجب ضرورة أن يكون القلب إنما يلقى أكثر هذا الفعل من الدماغ ، وذلك إذا أفرط مزاجه في البرد والرطوبة . وإما يكون ذلك عند وقت ورود الغذاء عليه . وأيضا فمع هذا ، إن القلب إذا ورد الغذاء عليه يرطب ويبرد . ولكون هذا الفعل إنما يوجد للقلب أكثر ذلك بتوسط الدماغ ، وكان من قل نومه نطلنا « 1 » منه الدماغ بالأشياء المرطبة ، ظن كثير من الناس أن النوم إنما هو فعل خاص بالدماغ . وليس الأمر كذلك .
120 - ومن الدليل على أن النوم إنما يكون بالبرودة والرطوبة أن الأغذية المنومة هي باردة رطبة كالخس وغير ذلك مما شأنه أن ينوم . والأشياء المسهرة هي الحارة اليابسة . وإنما صار الحيوان يصيبه النوم كثيرا إثر التعب لأن الحيوان إذا تحرك
هامش
( 1 ) أي : خدرنا .