ومن منافع هذا الجسم : أما في الإنسان فلأن يستر الثقب مما ينزل من الرأس ، وأما في سائر الحيوان فإن فيه منفعة أخرى ليلقى بها الأصوات من أي جهة وردت ، ولذلك يحركها .
19 - في الشم
92 - وهذا أيضا ظاهر أن آلة الشم هي الأنف ، وأن ذلك يكون في الحيوان المتنفس بالاستنشاق ، وفي غير المتنفس بغير استنشاق ، كالزنابير وغير ذلك من الحيوان الذي ليس بمتنفس .
وأرسطو ، فيما أحسب ، يرى أن الموضع الذي به يكون هذا الإدراك هما المجريان الظاهران في الأنف . وجالينوس يرى أن هذا الإدراك إنما يكون بمقدمتي الدماغ بالزائدتين اللتين هنالك المشبهتين بحلمتي الثدي ويقول : إن لبعد هذا الموضع احتيج إلى الاستنشاق .
وأنا أقول : إنه لو كان الأمر كما يقول جالينوس لكنا متى سددنا أنوفنا واستنشقنا الهواء على الفم أحسسنا بالروائح ضرورة ، إذ كان الحنك منفوذا إلى الأنف ، وليس يلفى الأمر كذلك .
وكان يلزم أيضا كما يقول أبو نصر ( الفارابي ) ، أن نحس بروائح الأطعمة عندما تطبخ في المعدة .
وليس الاستنشاق دليلا على أن بتلك الزائدتين يكون الشم . ولو كان ذلك كذلك لما أمكن أن يشم الحيوان الذي لا يستنشق ، بل إنما جعل الاستنشاق لمكان الشم لأحد أمرين : إما من جهة الأفضل ، وإما لغلظ هذه الحاسة في الحيوان المستنشق ؛ لأنه قد كان يمكن أن يكون البخار يصل من ذاته إلى نفس الحاسة . لكن لما كان الحيوان المتنفس فعله أحد فعلين : إما إخراج الهواء . وإما إدخاله ، ولم يكن يمكن أن يصل البخار المشموم عند إخراج الهواء . كان وصوله إلى حاسة الشم عند إدخاله أكثر : فإن وصول ذلك الهواء المشموم يكون بالاستنشاق أكثر منه بغير استنشاق ، ولذلك يكثر من استعماله عند اختبار الروائح .
ويشبه أن يكون الحيوان الذي يشم دون استنشاق أذكى حاسة من الذي يستنشق ، كما نرى ذلك في النمل والنحل . ولضعف هذه الحاسة في الذي يستنشق يكون ما يصل إليه في غير حين الاستنشاق نزرا لا يحسه . والإنسان في هذه الحاسة