نقول إن الدماغ يخدم القلب : فإنه قد كان ظهر النحو الذي به يخدم الكبد القلب .
وذلك أنه يعد له الغذاء ، فنقول : إنه لما كان ليس بأي مقدار من الحرارة يتم فعل حاسة حاسة ، وكان يظهر من أمر الحواس أنها ليست تحتاج إلى حرارة قوية ، فإن الحرارة القوية فيها ، تعوقها عن إدراك محسوساتها التي من خارج وتشوشها عليها ، حتى إن الذين تسخن رؤوسهم في الأمراض الحادة يخيل إليهم أنهم يسمعون أشياء ويبصرونها من غير أن تكون موجودة . وأكثر ما يظهر هذا المعنى في حاسة اللمس : وذلك أنه لما أريد فيها أن تدرك المتضادات الأربع « 1 » ولم يمكن أن تكون آلتها خلوا منها ، إذا كانت ممتزجة ، جعلت في الغاية من الاعتدال ليكون بذلك حسها أصدق .
ولما كان القلب في الغاية من الحرارة جعل يقابله الدماغ ، ليعدل من حرارته حتى تظهر المحسوسات على كمالها . ولم يمكن أن تجعل هذه البرودة نفسها في خلقة القلب أولا : فإنه كانت تنقص أفعال الغاذية بذلك نقضها بينا ، وكأن الطباع لما رامت أن تجعل هذين الفعلين في الحيوان الكامل على أتم ما يكون ، قرن إلى القلب الدماغ ، وأما في الحيوان النباتي المعروف بإسفنج البحر ، وفي كثير من الحيوان الناقص فيشبه أن لا تكون الحاجة فيه مضطرة مثل هذا الاضطرار إلى وجود الدماغ وبخاصة وجود العصب النابت من الدماغ . ولذلك متى فصل جزء من ذلك الحيوان النباتي ، أي جزء كان ، أمكن أن يعيش ويتغذى وينمو ، حتى يعود إلى حاله .
وهذا هو السبب في أنك ترى كثيرا من الحيوان يعيش بعد أن يفصل . وهذه الجهة من خدمة الدماغ للقلب هي التي يراها أرسطو وجميع المشائين .
وإنما جعل عظم الرأس ليحجب الدماغ ، وجعل مستدير الشكل لأنه أبعد من الآفات . ومنفعة النخاع من جنس منفعة الدماغ . وأيضا فكأنه مسمار يربط الفقارات .
86 - وإذا قد تبين من هذا القول كيف نسبة رئاسة الدماغ في الحس إلى رئاسة القلب . وتبين مع ذلك أي منفعة منفعته .
هامش
( 1 ) أي الحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة .