83 - وجالينوس يرى أن العصب النابت من الدماغ هو الآلة الخاصة بهذه الحاسة ، وأنه الذي يفيد غيره هذه القوة ، وذلك فيما شأنه من الأعضاء أن يقبلها وأرسطو يرى أنها اللحم ، وذلك تابع لرأييهما في الدماغ : فإن جالينوس يرى أن فيه الحواس الخمس ، ويرى مع ذلك أنه رئيس في هذا الفعل ، أعني أنه مستبد فيه بذاته غير محتاج إلى غيره . وأما أرسطو فيرى أن رئاسته رئاسة جزئية خادمة في هذا الفعل لرئاسة القلب ، سواء وجدت فيه الحواس الخمس أو الأربع فقط .
15 - لمن الرئاسة في الإحساس : للقلب أم للدماغ ؟
84 - ولننظر نحن في ذلك على النحو الذي نظرنا في رئاسة الكبد ، فنقول :
أما أنه يظهر بالتشريح أن شرايين عظيمة كثيرة تتصل بالدماغ من القلب فذلك أمر يقر به جميع المشرحين وجالينوس في جملتهم ، فمن هنا يظهر ظهورا أوليا أن الدماغ مضطر في فعله هذا إلى القلب .
لكن إن كان على أن القلب إنما يفيد الدماغ بهذه الحرارة التي توصلها إليه القوة الغاذية التي بها يغتذي ، فالقلب ضرورة خادم للدماغ في هذا ومرءوس : إذ كان التغذي والقوة الغاذية إنما وجدا في الحيوان من أجل الحس والقوة الحساسة وإن كان إنما يفيده بهذه الحرارة التي يوصلها إليه هذه الإحساسات الخمس فالقوة الحساسة الرئيسية الأولى فيه . وهذه القوة هي التي تعرف بالحس المشترك .
وقد تبرهن وجود هذه القوة في كتاب النفس « 1 » لكن جالينوس كما قلنا يرى أن هذه القوة المشتركة في الدماغ ، وأرسطو يرى أنها في القلب .
فأما من أين يظهر أن القلب هو الذي يعطي الدماغ الحرارة المقدرة في الكمية والكيفية بحسب حاسة حاسة من الحواس التي في الدماغ ؟ فإنه ليس بأي حرارة اتفقت يكون أي حس اتفق ، ولا أيضا الحرارة التي تكون بها القوة الغاذية هي الحرارة التي يكون بها الحس ، فذلك بين من حال النائم واليقظان : فإنا نرى أن القوة الغاذية أتم ما تكون فعلا في جميع الأعضاء في وقت النوم ، وليس هنالك حس . وإذا كان ذلك كذلك فالحرارة التي بها يكون الحس في وقت النوم غير موجودة في الحواس .
هامش
( 1 ) لأرسطو .