وأبين ما يظهر ذلك في الذي ينام مفتوح العين ، فإنه لولا انصراف الحرارة التي بها يبصر حينئذ من العصبة المجوفة إلى داخل ، لما كان يعدم البصر . فليت شعري هذه الحرارة إلى أين تنصرف ؟ ومن أين تنبعث ؟ فإن هنالك ضرورة القوة الحساسة المشتركة .
أما أنا فيظهر لي ظهورا أوليا أن منبعث هذه الحرارة من القلب ومنصرفها إلى القلب ولذلك كان ظاهر البدن أحر في اليقظة ، والقوة الغاذية أظهر فعلا عند النوم ، وظاهر البدن أبرد ، وليس لأحد أن يقول إن انتشار هذه الحرارة التي بها يكون الحس في اليقظة يكون من الدماغ .
فإن الدماغ عضو بارد والأعصاب أعضاء باردة ، وأكثرها ليس يظهر أن فيها روحا ، فضلا عن أن تسخن البدن .
وأيضا فقد يظهر بالقول أن الحرارة التي هي هيولى النفس الغاذية ، وهي والحرارة التي هي هيولى النفس الحسية ، واحدة بالموضوع ، وليست اثنين بالموضوع ولا في عضوين مختلفين .
وذلك أن النفس الغاذية لما كانت في الجنين مستعدة لقبول النفس الحسية ، وكانت النفس الحسية تتنزل منها منزلة الصورة والكمال ، والغاذية منزلة الهيولى ، فحيث الاستعداد للقبول فهنالك ضرورة يكون القبول ، وبيّن أن النفس إنما صارت مستعدة بموضوعها الذي هو الحرارة الغريزية ، فقبولها الصورة الحسية يكون ضرورة في هذا الموضوع بعينه .
وهذه حال الكمالات مع التوطئات ، وبهذا صار المجتمع منها واحدا ، أعني بالموضوع . وإذا كان هذا كله هكذا وظهر أن الحرارة التي بها تتدبر الحواس هي حرارة القلب ، فالقوة المدبرة الحساسة المشتركة هنالك . والدماغ خادم لهذه القوة ورئيس على غيره من الأعضاء ، لا أن رئاسته رئاسة مطلقة .
وقد كان يمكن أن نبين هذه الأشياء بطرق أوضح ، لكن قصدنا الإيجاز .
85 - وإذ قد تبين أن الدماغ يخدم القلب في إفادته القوى الحسية على جهة ما يخدم صاحب الجيش الملك في تتميم غرضه . والملك هو الذي رسم له الغايات التي إليها ينتهي ونحوها يفعل ، فقد ينبغي أن ننظر أي جهة هي هذه الجهة التي بها
الكليات في الطب — صفحة 60
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٦٠