يسيل اللعاب من فم الجائع المبصر للطعام .
75 - ومن الدليل عندي على أن مني الرجل يتنزل منزلة الفاعل أن الأعضاء لما كانت إنما تغتذي بالحرارة الغريزية القلبية ، وكانت هذه الحرارة هي الآلة الأولى للنفس الغاذية ، وجب ضرورة أن تكون هي الآلة الأولى للقوة المكونة .
فلذلك يلزم ضرورة أن يكون في مني الرجل . أو في الدم الذي في الرحم ، جزء كبير من هذه الحرارة الغريزية موجودا بالفعل . وليس يمكن أن يكون هذا إلا في المني لموضع الحرارة والرطوبة الموجودة فيه .
فأما الدم الذي يتولد منه الجنين وهو دم الطمث . فإنه بعيد جدا عن أن يكون فيه بالفعل مثل هذا الجوهر ، لأنه دم غير منهضم . وأبعد من هذا أن يكون في مني المرأة .
76 - وليس لقائل أن يقول : إن الحرارة الغريزية تتولد في الجنين من ذاتها فإنه لا يولد الحرارة الغريزية إلا حرارة غريزية . كالحرارة الغريزية التي في المغتذي وعلى هذا فليس ينبغي أن يتوهم أن المني إنما يفيد كيفية فقط ، بل حرارة ذات كيفية .
77 - ولذلك لا حجة لجالينوس ولا لأبقراط على أرسطو في الرقاصة التي أخبر أبقراط أنها أسقطت في اليوم السادس ، والمني قد احتوى عليه أحد الأغشية المحيطة بالجنين .
وقد حكى أرسطو أنه شاهد مثل هذا ، وذلك في كتاب الحيوان ، ولا ينبغي أيضا أن يطالب أرسطو ، كما يفعل جالينوس ، أين ينفش المني ويتحلل .
78 - وأنا أعلم ضرورة أن هذا الفحص غير مهم في صناعة الطب . لأن أولى المواضع به هو القول في ولادة الحيوان ، لكن آثرنا ذكره هاهنا لينقله من شاء إلى ذلك الموضع . فإنه بعد لم يتهيأ لنا فراغ لتلخيص تلك المقالات في كتاب الحيوان .
وأما بعد ، فقد تهيأ لنا ، فمن أحب أن يقف على جميع المسائل التي فيها الخلاف بين أرسطو وجالينوس فليقف على ذلك الكتاب ، فلنرجع إلى حيث كنا ، فنقول :
79 - أما القضيب فمنفعته الأولى ليقذف بالمني إلى داخل الرحم ، له مع هذا منفعة ثانية : وذلك أنه سبيل لخروج الفضلة الرطبة .
80 - وأما الرحم فالأمر فيها بين أنها لمكان الولادة ، وللرحم مع هذا منفعة
الكليات في الطب — صفحة 57
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٥٧