بالتشريح روح ينفذ منها في الأوراد إلى سائر البدن ، بل ما في الأوراد من الدم هو دم غير نضج ، وإنما مطية الروح الدم الشراييني .
وعسى أن يقول قائل : إن هذا الفحص كله مما لا يحتاج الطبيب إليه ! وأنا أقول : إن حاجة الطبيب إلى هذا أمس حاجة ، وسنبين هذا فيما بعد . وما تسمع جالينوس يهزأ فيه بأركغانس عند معالجته القوة الذاكرة ويقول له : " يا هذا إن كنت تزعم أن القوة الذاكرة في القلب فما بالك لم تعلق المحاجم على القلب وتقصده بالمعالجة ؟ » فليس الأمر على ما يقوله جالينوس ، وسنبين هذا فيما بعد .
فالقلب لما كان رئيس هذه الأعضاء جعل مكانه المكان الأوسط ، لأن هذا حق الرئيس : إذ كان يراد أن تكون نسبته إلى جميع ما يدبره بالسواء ، وأيضا فلمكان الوقاية .
ولذلك جعل له غشاء كثيف يحيط به ووثق برباطه . وأما جهة تغذيته فإنه يتغذى من العرق الواصل بينه وبين الكبد ، والأغشية التي على هذه الفوهة من القلب إنما جعلت تنفتح إلى داخل لمكان دخول الدم إليه ، ثم تنسد بعد انسدادا محكما .
وأما الفوهة التي في هذا الجانب ، وهي فوهة العرق الذي يتصل من هذا التجويف بالرئة ، فإنه يظن أن من هذا العرق تتغذى الرئة إذ كانت ليس يتصل بها أوراد ، والأغشية التي على هذه الفوهة إنما جعلت أيضا تنفتح إلى خارج ، ولا تنفتح إلى داخل بخلاف الأغشية التي على الفوهة الأخرى لمكان خروج الدم منها إلى الرئة .
وأما إحدى الفوهتين اللتين في البطن الأيسر ، وهي فوهة الشريان العظيم ، فإنه جعلت فيها تلك الأغشية الثلاثة تنفتح من داخل إلى خارج ، لأن يخرج منها الدم والروح إلى الشرايين ثم لا يعود . والفوهة الأخرى التي في هذا الجانب هي فوهة الشريان الذي يتصل بالرئة .
ومن هذا الشريان يكون تنفسه . ولذلك جعلت تلك الأغشية في فم هذه الفوهة تنفتح من خارج إلى داخل .
61 - وأما الطحال ، فلما كان ليس له إلا مجريان ، أحدهما يتصل بالكبد والآخر بالمعدة ، وكان يلفى فيه عكر الدم ، ظن به أنه لموضع ( - من أجل ) جذب الفضلة السوداوية من الكبد ، ويبعد أن يكون كبدا مضعفة ، إذ كان ليس يلفى فيه
الكليات في الطب — صفحة 53
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٥٣