وصانعته بالقوى الأربع في عضو عضو ، وهي في جميع البدن لقوة واحدة هي منه في عضو واحد وهي الغاذية الرئيسية .
فأما هل القوة الغاذية الرئيسية هي في هذا العضو حتى يكون هو رئيس أعضاء هذه القوة ، أما هاهنا عضو آخر يرأسه في هذا الفعل ، فذلك يظهر مما تبين في العلم الطبيعي ، ومما ظهر في التشريح .
أما ما تبين من ذلك في العلم الطبيعي فهو أن هذه القوة إنما تفعل جزء عضو من المغتذي . ولما كانت الأعضاء مركبة من الأسطقسات ، والمركب من الأسطقسات إنما يتكون عنها بالمزج ، والمزج يكون بالطبخ ، والطبخ بالحرارة الغريزية ، وجب ضرورة أن تكون هذه القوة آلتها هذه الآلة ، أعني : الحرارة ، لأنه لا فرق بين ما يحتاج إليه في تكوين الجزء أو تكوين الكل . وإذا كان ذلك كذلك فالكبد وسائر آلات التغذي ، هذه الحرارة ضرورة موجودة فيها .
لكن إن كان الأمر ، كما يقول جالينوس ، أن سائر الأعضاء التي فيها هذه القوة إنما استفادت الحرارة التي بها تفعل فعلها من حرارة الكبد ، فمن البين أن الكبد رئيس هذه الأعضاء . وذلك أن غيرها من الأعضاء إنما يتم لها هذا الفعل بالكبد ، وللكبد بذاتها . وما هذا شأنه فهو لا شك رئيس . وهذا بعينه هو معنى الرئاسة في الأمور الإرادية ، فإنه لا فرق بينهما . ولذلك قلنا في مدبر الفلاحين إنه رئيس الفلاحين : إذ كانت فلاحة أولئك إنما تتم بتدبيره وفلاحته هو بذاته . وكذلك في صنف صنف من أصناف الرئسات .
فليت شعري هل يمكن جالينوس أو غيره ممن يرى هذا الرأي أن يضع الكبد مكتفية بنفسها في هذا الفعل ، مع أنه يقر أنه يصل إليها من القلب شرايين كثيرة تحمل إليها حرارة كثيرة ؟ ! فإن كانت الكبد مكتفية بنفسها في هذا الفعل فتلك الحرارة عبث لا معنى لها ! فإن قالوا إن هذه الحرارة إنما تفيد الكبد قوة حيوانية قلنا ما معنى القوة الحيوانية ؟ وهل في الأعضاء شيء غير قوة تغذّ أو قوة حس ؟ وليس ينطبق اسم الحيوانية على شيء غير هذين ؟ وإن كان اسم الحيوانية أحق بالحس ، فإن الذي أوقفنا على كثرة هذه القوى هو كثرة أفعالها . وليس هاهنا فعل غير هذين الفعلين ، أعني : التغذي أو الحس . فإن قالوا : إن القوة النبضية التي في القلب قوة
الكليات في الطب — صفحة 51
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٥١