59 - وأما المعى فأمرها بين أنها أيضا آلة من آلات الغذاء : وذلك أنها إنما أعدت أولا لينفذ فيها الغذاء المنهضم من المعدة إليها في الثقب الذي يسمى البواب .
فإن المعدة إذا أكملت هضمها فتحت هذا الموضع وأرسلت الغذاء إلى المعى فتجتذب الكبد منها عصارة ذلك الكيلوس في العروق المتصلة بها . فإذا تم فعلها دفعت الأمعاء تلك الفضلة إلى أسفل ، وهي الفضلة اليابسة .
فإذن منفعة المعى منفعتان : الأولى أنها طريق يسير فيها الغذاء إلى الكبد ، والثانية لدفع الفضلة اليابسة . وأظهر ما فيها من القوى : القوة الدافعة . ولذلك كان ليف طبقتيها ذاهبا عرضا ، وأما القوة الجاذبة فليس لها فيها أثر ، ولذلك لم يكن لها ليف ذاهب طولا . وفيها قوة هاضمة إذ كان جوهرها قريبا من جوهر المعدة . وإنما كانت ذات تلافيف كثيرة ليقف هنالك الغذاء حتى تأخذ منه الكبد حاجتها . ولذلك يقول أرسطو : إن ما كان من الحيوان قليل تلافيف الأمعاء فهو نهم . وجعلت ذات طبقتين للوثاقة إذ كانت سبيلا للفضول . وأيضا فإن فعل القوة الدافعة يكون بذلك أقوى .
[ 12 - لمن الرئاسة على القوة الغاذية ؟ للكبد أم للقلب ؟ ]
60 - وأما الكبد فأمرها بين بالتشريح أنها التي تغير الغذاء حتى يصير دما . ثم تبعثه إلى جميع أعضاء البدن . ولرئاستها على جميع آلات الغذاء ظن بها جالينوس أنها الرئيسية في هذه القوة بإطلاق ، أعني القوة الغاذية ، ولم يشعر أن الغذاء الأخير هو بالقلب ، وأن فيه القوة الغاذية الأولى . وهو ظاهر من أمر هذا العضو أن فيه الخمس قوى : الهاضمة الفعلية الدم ، والماسكة زمام الهضم ، والجاذبة إليه الكيلوس من المعى ، والدافعة عنه ما قد انهضم ، والمميزة الثلاث فضلات : أعني الفضلة المائية التي تجذبها الكلى ، والفضلة المرارية التي تجذبها المرارة ، والفضلة السوداوية التي يجذبها الطحال .
وينبغي أن تعلم أن هذه الأربع قوى ، أو الخمس ، التي يضعها الأطباء أنها ليست مفترقة بعضها من بعض ، بمنزلة الصناع الذين يجتمعون على مصنوع واحد ، بل هي قوى كالآلات ، لقوة واحدة ، وهي منه في عضو واحد . وهي مدبرة الغذاء