ثالثة ، وهي التي نعني بالحيوانية .
قلنا : وإن سلمنا لكم هذا فليس يفيد القلب الكبد قوة نبضية : فإن الكبد لا تنبض عروقها . ومن هنا يظهر أن القوة النبضية خاصة بالقلب ، وأن بهذه القوة هو رئيس إذ كان بها يوزع القوى على سائر الأعضاء بتوزيعه الحرارة الغريزية عليها ، مع أنه فيها أيضا حفظا له بالتنفس .
وإذا كانت هذه القوة ، أعني : النبضية هي التي بها يفيد القلب غيره أولا الآلة الأولى للتغذي ، فهي ضرورة منسوبة إلى هذه القوة ، أعني إلى قوة التغذي من جهة ما هي غاذية قلبية ، إذ كانت هي الآلة التي تستعملها هذه القوة في إفادة التغذي . ولو كانت قوة أخرى غير القوة الغاذية ، لأفادها القلب غيرها من الأعضاء ، فإنه من المستحيل أن تكون في عضو قوة مباينة بالنوع لسائر القوى الموجودة في سائر الأعضاء ، لا توجد في عضو آخر غيره ، مع أن يكون أيضا ذلك العضو رئيسا . وجالينوس ليس يقول بذلك ، ولا أحد من الأطباء .
وإذا كان هذا كله كما وصفنا ، وظهر ان نسبة القلب إلى الكبد في إفادتها الآلة الأولى للتغذي هي النسبة التي يضعها جالينوس بين الكبد وبين سائر أعضاء التغذي .
فالقلب ضرورة هو رئيس الكبد في هذه القوة : إذ كانت الكبد ليس فيها كفاية بأن تفعل فعلها بذاتها بل بالحرارة المقدرة في الكيفية والكمية التي تصل إليها من القلب . وهذه القوة المقدرة التي في القلب هي ضرورة القوة الرئيسية الغاذية : فإنه لم يزعم قط أحد من المشرحين ، وجالينوس في جملتهم ، أن القلب تصل إليه حرارة من غيره من الأعضاء ، بل هو مكتف في فعله بداته ، على ما شأن الرئيس أن يكون . وكونه محتاجا إلى الكبد ، في إعداد الغذاء له ، لا يستحق بذلك الكبد رئاسة عليه ؛ كما لا تستحق المعدة بإعدادها الغذاء للكبد رئاسة عليه ، ولا الفلاح بإعداد الطعام لرئيس الفلاحين يستحق بذلك رئاسة عليه .
وإذ قد تبين أن القوة الغاذية الرئيسية في القلب ، وكان يظهر بالتشريح أنه ولا عضو واحد في البدن إلا وتتصل به شرايين القلب ، فالقلب إذن يفيد سائر الأعضاء قوة التغذي لا الكبد ، وإلا كانت تلك الشرايين عبثا ، مع أن الكبد ليس يظهر فيها
الكليات في الطب — صفحة 52
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٥٢