الذي في الكبد والعروق التي يظن أنها نابتة منه ، وإما لأن يكون مطية للروح الغريزي الذي في القلب ، وهذا هو دم الشرايين .
48 - وأما البلغم فإنه دم غير منهضم ، ولذلك هو فضلة الدم ، أعني فضلة مقصرة عن أن يكون منها دم ، لا فضلة تمييزها شرط في كون الدم كالصفراء والسوداء .
وإذا كان ذلك كذلك فإما أن يكون وجوده في البدن من أجل الضرورة ، ومعنى ذلك أن الغذاء إذا استحال لم يمكن فيه ذلك إلا أن يتولد منه فضول بلغمية ، أو يكون مع ذلك أيضا فيه منافع ، وذلك لأنه يندي الأعضاء ويرطبها وكأنه غذاء معد لها عندما يتأخر عنها الغذاء .
49 - وأما المرة الصفراء والسوداء فإن وجودهما أولا وبالذات إنما هو من أجل الضرورة ، وذلك لأن الغذاء الكيلوسي الذي يصير من المعدة إلى الكبد ، ما كان يمكن فيه أن ينهضم ، حتى يعود دما ، دون أن تتميز منه هاتان الفضلتان كالحال في عصير العنب الذي لا يمكن أن يكون منه شراب دون أن تتميز منه فضلتان : إحداهما غليظة أرضية والأخرى رقيقة .
ولذلك أعدت لهما أعضاء خاصة بهما ، ولم تعد للبلغم : أعني من جهة أنه ليس في هاتين الفضلتين استعداد لأن يكون منهما جزء عضو كالحال في البلغم . وقد يظهر مع هذا أن الطبيعة قد استعملتها آلات خادمة للقوة الغاذية من جهة الأفضل . وذلك أنه يظهر بالتشريح أن للمرارة التي هي كيس المرة الصفراء مجرى يتشعب فيتصل بالأمعاء العليا وبأسفل المعدة ، وفي بعض الناس متصل بالمعدة ، فيفعل في المعدة مثل ما يفعل في المعى .
وذلك أن المرارة ترسل في هذا المجرى إلى المعى من المرة الصفراء ما يهيجها به على دفع الأثقال ويكون كالجلاء لها . وكذلك أيضا الطحال له سبيل يتصل بفم المعدة فيرسل إلى المعدة من المرة السوداء ما فيه حمضة ما لتقوي شهوة فم المعدة إلى الغذاء ، إذ كان هذا فعل الأشياء الحامضة فيها .
50 - وأما الشحم فمنفعته في الأجسام الحيوانية التسخين ، كالحال في منفعة الثرب . والشحم هو فضلة الدم المنطبخ الذي تتغذى الأعضاء به . ولذلك متى وجد في الحيوان باعتدال دل على صحته ، إذ كان يدل على فضل قوة في التغذي وحسن حال . وإذا لم يوجد في الحيوان باعتدال دل على أنه ليس هناك جودة طبخ ، إذ ليس ثم فضلة تدل على جودة الطبخ ، وهي الفضلة الحارة الرطبة ، بل ما يرد من الغذاء
الكليات في الطب — صفحة 46
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٤٦