دون غذاء ويتناول ماء العسل فقط . وذلك شيء لا يحتمله أهل بلادنا هذه .
وذلك لمكان مزاج الهواء والعادة . وأما في تلك الأقاليم فإن الأبدان فيها أقل تحللا وكانوا مع هذا يشربون الخمور ويأكلون لحوم الخنازير . وهذان من أكثر الأشياء تغذية .
72 - وبالجملة فينبغي أن يلتفت في الغذاء إلى العادة فإن من الناس من اعتاد أن يأكل في النهار ثلاث مرات ، وهؤلاء هم أقل الناس صبرا على الجوع ، ولا سيما الذين أمزجتهم أمزجة حارة متخلخلة . وأما إن زكنا أن المنتهى يبعد . وأن القوة تضعف قبل المنتهى . فقد ينبغي أن نطعم العليل أكثر مما حددناه قبل ، فإذا ظننا أن المنتهى قد قرب لطفنا حينئذ الغذاء . هذا كله إنما يفعل مع ثبات القوة .
وثبوت القوة إنما يكون في الأمزجة الموثقة . وأما الأمزجة الحارة اليابسة فقلّ ما تحتمل التجويع ، ولا سيما في الأمراض المناسبة لها وفي الفصل الحار ، فإن كثيرا ممن هذه صفته إذا جوعوا انقلبت حماهم ، بعد أن كانت لينة ، فصارت محرقة .
وربما وقعوا في الذبول . وذلك أن أمثال هؤلاء : المانع لهم من النضج إنما هو رداءة الكيفية ، فإذا جوعوا استزادت تلك الرداءة وتشيطت أخلاطهم .
73 - وأما وقت الغذاء فينبغي أن يكون بعد انحطاط النوبة وقبل عودتها مرة ثانية ؛ لتفرغ الطبيعة في وقت النوبة إلى نضج الأخلاط ، هذا هو المختار إذا ساعدت القوة ولم يعرض عرض خطير يوجب التغذية مثل حدوث الغشي أو توقع حدوثه .
وأما متى خفنا شيئا من هذه الأعراض فإنا قد نغذو العليل في أول النوبة ، فإن بذلك يمكن أن نحفظه من حدوث الغشي ، كما فعل جالينوس بالفتى الذي قص قصته حين كان أطباء وقته جوعوه الثلاثة الأيام المشهورة عندهم في تجويع المرضى .
وقد غذوه أيضا في نفس النوبة بعينها ، وأما متى كانت الحمى غير مفترة فقد ينبغي أن نتخير لغذائهم أخف أوقاتها ونتحفظ أيضا بالعادة . وأوفق الأوقات لهم هي الأوقات الباردة كالغدوات والعشيات .
74 - وأما الحمام فلما كان من شأنه أن يستفرغ الفضول اللطاف حمد في الحميات بعد النضج . وأما قبل فلا ، لأنه يهيج النافض بزيادته في السدد ويذوب الأخلاط وينشرها في الجسم فلا يؤمن أن يورم بعض الأعضاء الشريفة ، إلا أنه كما قلنا وإن كان يستفرغ الفضول فهو يزيد في حرارة الحمى ويبسها ، ولا سيما إذا استعمل الجزء الهوائي أو في الحرارة فقط إذا استعمل منه الجزء المائي السخن .
وليس يمكن في أبدان هؤلاء أن يتلافى ذلك فيهم باستعمال الماء البارد من بعد ،
الكليات في الطب — صفحة 405
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٤٠٥