ذلك العضو ، كان دليلا على نقصان كمية الدم ، وينبغي في مثل هذه المواضع أن يخرج في مرتين أو ثلاث . لأن لا يلحق عن ذلك ضرر في إخراجه دفعة .
29 - وأما شرب الدواء المسهل فإنه أيضا يستدل على مقدار الاستفراغ فيه من هذه الأشياء فلا يستفرغ به الصبي أصلا ولا الشيخ الهرم ولا يستفرغ به في الصيف ما لم تدع إلى ذلك ضرورة . وذلك أنه لا يؤمن لموضع يبس الفصل وحره أن يورث العليل مزاجا شبيها بهذا المزاج ، وكذلك لا يستعمل في فصل الشتوة لعسر إجابة الأخلاط . وأما الخريف والربيع فحمد الأطباء استعماله فيهما .
وذلك أن الأخلاط في الخريف أكثر ذلك إنما هي خارجة عن الطبع في كيفيتها لكن رأوا من لم يضطره إلى ذلك أمر وإنما يأخذ الدواء على وجه حفظ الصحة أن يأخذه بعد نزول المطر لأن المطر حينئذ يكسر من يبس الصيف .
وأما شهادة المزاج للاستفراغ بالدواء ، فإذا كان الخلط مناسبا للمزاج فينبغي أن يستفرغ بلا توق ، وإذا كان بخلاف ذلك نقص من كمية الاستفراغ . والعادة لها تأثير في هذا الموضوع كما لها تأثير في غير ذلك من الأشياء .
30 - وأما إذا كان المقصود استفراغه عضوا من أعضاء البدن فقد يستدل على استفراغه كما قلنا من وضعه ومن مشاركته . مثال ذلك أن الدماغ متى أردنا استفراغه بالفصد ، فصدنا القيفال لمشاركته للدماغ أكثر من الباسليق . والمشاركة نافعة جدا في الاستفراغ الذي به يقصد الجذب إلى خلاف .
مثال ذلك أنه إذا أفرط دم الطمث وضعنا المحاجم بين الثديين ، وإذا أفرط الرعاف وكان من المنخر الأيسر وضعنا المحاجم على الطحال ، وإذا كان من الأيمن وضعناها على الكبد . وأما من الوضع فمثل أن العضو إذا قصد استفراغه وهو في أعلى البدن كان استفراغه من أسفل أنجع ، إذ يجتمع في هذا الاستفراغ والجذب إلى خلاف ولهذا يحمد القيء في الأمراض التي في أسفل البدن والإسهال في الأمراض التي في أعلى البدن .
وأما شكل العضو وخلقته فمنها أيضا يوقف على جهة استفراغه ، مثال ذلك أنا قد علمنا من خلقة المعدة أنها تستفرغ من جهتين : بالقيء وبالإسهال . وكذلك علمنا من خلقة الكبد أنها تستفرغ من محدبها بإدرار البول ومن مقعرها بالإسهال .
وعلمنا أيضا من خلق هذه الأعضاء وكونها طريقا للأدوية أنه لا يبغي أن تستفرغ الأورام الحادثة فيها بالإسهال لموضع مرور الدواء المسهل بها ونكئه لها ولأورام الحلق بالغرغرة .
الكليات في الطب — صفحة 385
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٨٥