يسيرة فتكون مداواته بالأشياء الضعيفة الحرارة .
وإذا أصابه سوء مزاج حار استدللنا بذلك على أنه قد خرج عن مزاجه خروجا كثيرا ، فعالجناه بالأشياء البالغة في البرد هذا هو قياس قولهم في سائر الأعضاء . وإن كانوا لم يصرحوا بذلك في الدماغ .
24 - وهذه المسألة بعينها هي مسألة الشيخ والشاب . بل متى احتجت أن تسخن الدماغ فسخنه بلا توق ، ومتى احتجت أن تبرده فتوق أن تضره ، وكذلك سائر الأعضاء الباردة كالعصب والأعضاء الحارة ينبغي أن تبردها بلا توقّ . وأن لا تسخنها إذا بردت إلا وأنت حذر من أن تضر بها . وكذلك اليابسة والرطبة فإن كل موجود إنما يدخل الضرر عليه من جهة الأسطقس الغالب عليه . وأما منفعة العضو فإذا كانت في البدن كثيرة . وكان رئيسا له أفعال كثيرة فهو أحوج شيء إلى توفير قواه .
وإنما كان ذلك كذلك لمشاركة أمثال هذه الأعضاء للقلب الذي هو ينبوع الحرارة ومعدن الحياة ولذلك لا ينبغي أن تسرف في إدخال الضد على مثل هذه الأعضاء .
وبخاصة الكيفية الباردة . ولهذا ما يتوقى إذا حدث بالكبد مزاج حار أن نبرده بالأشياء الباردة في غاية التبريد . وإن كان هذا الاستدلال هو على مقدار الاستفراغ أدل . أعني الاستدلال الذي يكون من جهة شرف العضو . وأما مشاركته فقد يؤخذ منها هاهنا أيضا الاستدلال :
فإن فم المعدة لمشاركته للدماغ ينبغي أن لا نبرده تبريدا شديدا وإن أصابه سوء مزاج حار لمشاركته للعضو البارد . وكذلك الكبد لا ينبغي أن نبردها جدا لمشاركتها للقلب . وبالجملة فينبغي في استعمال الضد في الأعضاء الرئيسة أن تشتد العناية بأمر القلب لموضع مشاركته لهذه الأعضاء : فإنه جميعها بالقوة وإن كان واحدا بالفعل على ما تبين في كتاب الصحة ، فمتى كان في الكبد سوء مزاج حار فينبغي أن نقصد مع تبريده تبريد القلب أيضا بالأدوية التي تفعل ذلك .
فإنه غير ممتنع أن يكون السبب في سوء مزاج الكبد القلب أو يعود ضرورة سوء مزاج الكبد فيؤثر في القلب . فلهذا ما ينبغي أن لا نهمل العناية بأمر القلب في الأعضاء الرئيسة . وليس ينبغي أن يفهم هذا في التبريد والتسخين والترطيب والتيبيس فقط بل وفي جميع الأفعال من التقوية وغير ذلك من الأفعال الثواني والثوالث .
وأما الاستدلال من الوضع هاهنا فظاهر أيضا : وذلك أن سوء المزاج إذا كان في عضو في ظاهر الجسم لم يحتج من الأدوية إلى أدوية قوية الكيفية .
الكليات في الطب — صفحة 383
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٨٣