وأما استعمال الماء البارد بعد الاستحمام بالماء الحار في صاحب هذه الحمى فإني أرى فيه تكثيفا للمسام ، إلا أن يحدس أن المسام قد تفتحت بأكثر مما ينبغي أو استحر الجسم أكثر مما ينبغي ، فحينئذ يجب أن نغمسه في الماء البارد . ثم عند الخروج من الحمام ، إذا كان حار المزاج يابسه وكان الفصل حارا ، فأوفق الأغذية له ماء الشعير :
وذلك أنه يبرد ويرطب مع أنه يعين على خروج الفضول من جميع سبلها . فإذا انهضم ماء الشعير فليأكل السمك الرخص الرضراض ، ولحوم الجداء والفراريج وما أشبه ذلك بالخبز المحكم الصنعة . فإن عاودت نوبة ثانية فينبغي أن يجتهد في تفتيح المسام ، وبالجملة في رفع السبب الذي أعادها ، وذلك باستحمامه مرة ثانية وتدبيره ذلك التدبير بعينه ، وقد تحدث أيضا هذه الحمى كثيرا عن السهر والغضب والهم والتعرض للشمس .
ومداواة هذه تخالف مداواة تلك من جهة خلاف السبب الفاعل فقط .
38 - أما من حم بسبب غضب فإنهم يحتاجون إلى التبريد أكثر ممن حم عن سهر أو غم . وليس يحتاج واحد من هؤلاء إلى الدلك أصلا ، ويحتاج من حم من سهر أن ينوم . ومن حم من حزن أن يورد عليه سبب مضاد للحزن .
وكل هؤلاء يستعملون من الحمام الماء الفاتر فقط وصاحب السهر وصاحب الغم يحتاجان إلى الترطيب أكثر . وأما من حم من قبل التعرض للشمس فهو يحتاج إلى التبريد أكثر . ولذلك ينبغي أن يكثر المقام في الماء الفاتر ويمرخ بالأدهان الباردة كدهن البنفسج . وأما رأسه فيجب أن ينطل ، إذا شكا صداعا من الحر ، بدهن ورد مبرد في البئر أو في الثلج بيسير خل ، ويصب على رأسه من علو ، ولا يزال يفعل ذلك به إلى وقت انحطاط الحمى . وأما من حم من سبب برد أصابه فقد ينبغي أن يدخل الحمام وهذا يحتاج إلى الهواء الحار منه .
ويكون الطعام الذي يتناول بعد خروجه من الحمام معتدلا أو مائلا قليلا إلى الحر ، وأوفق الأشياء لهم ماء العسل .
ثم يتناولون بعد خروجه عن المعدة بعض الطيور التي فيها خفة مع يسير إسخان .
كاليمام والسمان وما أشبه ذلك وينبغي أن تنطل رؤوس هؤلاء بدهن السوسن وما أشبهه من الأدهان الحارة بعد الحمام وقبله كما ينطل رأس من أصابته الشمس بالأدهان الباردة بعد الحمام وقبله .
وكما أن هذه الأدهان يتحرى أن تكون باردة بالفعل كذلك ينبغي أن تكون الأدهان . الحارة حارة بالفعل ، وذلك أن تسخن في إناء مضاعف . ومعنى ذلك أن يكون طبخها بواسطة الماء .
الكليات في الطب — صفحة 388
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٨٨