فنقول :
15 - إنه لما كان قصدنا ، أما في إبطال سوء المزاج غير المادي فرده إلى ما كان عليه . ولم يكن يتهيأ ذلك إلا بأن يكون الضد الذي يقابله في درجته من الخروج : وجب أن نعنى بمعرفة مقدار خروج البدن من الصحة إلى المرض . وذلك إنما يكون بمعرفة مزاج البدن الصحي قبل ، فيلزم لهذا أن يكون أحد ما يستدل عليه من استعمال كمية الضد هو مزاج البدن الطبيعي وسنه والبلد أيضا والفصل من أوقات السنة والتدبير . وذلك أن هذه كلها تحدث في الأبدان الصحيحة أحوالا ما . والعادة أيضا قد يظن أنها تنفع في هذا المعنى على ما سيلوح بعد لكن من غير هذا الوجه .
وكذلك القوة والسبب والعرض . فإن هذه كثيرا ما يكون الاستدلال منها مضادا للاستدلال من تبريد سوء المزاج أو تسخينه . وذلك إنما يلحظ أكثر ذلك ، أعني السبب والعرض والقوة . حيث يكون السبب في سوء المزاج مادة .
وأما إذا كان سوء المزاج غير المادي في عضو ما فقد يستدل على مقدار إدخال الضد عليه من مزاج العضو نفسه ومن منفعته ومن مشاركته ومن وضعه ومن ذكاء حسه .
وأما الاستفراغات التي يداوى بها المزاج المادي فلما كان القصد منها أيضا أن يستفرغ الزائد فقط لا أهل من ذلك ولا أكثر وجب أيضا أن تعرف الأشياء التي تكون أسبابا في زيادة المواد في بدن الإنسان وفي نقصانها ، وتلك هي طبيعة البدن ومزاجه : فإن بعض الأبدان يكثر فيها تولد خلط من الأخلاط والمواد . وكذلك أيضا سنه والفصل من أوقات السنة والبلد والتدبير وانقطاع ما جرت العادة بسيلانه ، مثل انقطاع دم البواسير أو دم الطمث أو قطع الرياضة أو استفراغات بالجملة اعتادها الإنسان .
وللعادة في هذا مدخل ما . والقوة من أكثر الأشياء التفاتا إليها في هذا الجنس ، فإنها كثيرا ما تضاد طبيعة المرض في الاستفراغ . وأعني هاهنا بالقوة : القوى الفاعلة كالقوة النبضية ، وبالجملة الغاذية والقوة المحركة . وقد يؤخذ أيضا الاستدلال على مقدار الاستفراغ في جميع البدن من الأعضاء المئوفة وبخاصة الرئيسة ، كمن به مرض يوجب فصده . وهو ضعيف ، فم المعدة .
وأما إذا كان المقصود بالاستفراغ عضوا ما من أعضاء البدن فقد يؤخذ الاستدلال على استفراغه من وضعه ومن مشاركته ومنفعته وحسه وشكله وهيئته ومن حالة ذلك العضو أيضا من جميع البدن . فإنه ربما شهد له البدن بالاستفراغ وربما لم يشهد له .
الكليات في الطب — صفحة 378
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٧٨