الأبدان النقية لم يلحق عنه فعل رديء أصلا .
16 - وأما النوم فإن فعله الإنضاج والترطيب ، والسهر فعله التحليل والاستفراغ وإذكاء الحرارة الغريزية ، ولذلك إذا أفرط النوم أطفأ الحرارة الغريزية ورهل الأجسام ، وإن أفرط السهر يبس الأجسام وحلل الحرارة الغريزية وأشعل العرضية .
17 - فهذا هو القول في طبيعة الأشياء التي كان يجب هاهنا تقديمها قبل القول في حفظ صحة مزاج مزاج من الأمزجة التسعة .
ونبدأ من ذلك بالمزاج المعتدل إذ كان ليس يكاد يحتاج في تدبيره أكثر من تقدير الأغذية واستعمال الرياضة والدلك والاستحمام وتقدير النوم واليقظة والأفعال النفسانية والإقامة في الهواء المعتدل . وأما حاجة مثل هذا المزاج إلى الأدوية : فإما أن لا يحتاج إليها أصلا ، وإن احتاج فحاجة قليلة .
وجالينوس يرى أن من مزاجه مثل هذا المزاج ليس يحتاج في حفظ صحته إلى استعمال دواء أصلا ، لكن ما يشترط هو في تدبيره من الرياضة والاستحمام والدلك يكاد يكون ممتنعا لمن يرى أن الغاية القصوى للإنسان هي أن يكون صحيحا ، ويكون مع هذا في غاية الحرمة والثروة ، فضلا عن من يرى أن صحة الإنسان إنما هي من أجل أفاعيل أخر من أفاعيل النفس ، مع عون أمور كثيرة من الأشياء الضرورية عن ذلك .
ولكن على الجملة قد ينبغي أن نذكر ما قاله في ذلك بإيجاز ، ليكون ذلك في أذهاننا كالقانون ويستعمل من ذلك كل إنسان ما ليس يعوقه عن غرضه الأهم ، وما يقدر عليه من ذلك بحسب الأمور الضرورية فنقول :
[ 6 - ] قانون لحفظ صحة المزاج المعتدل
18 - إن جالينوس يرى في تدبير هؤلاء أول ما يولدون : أن ينثر على أبدانهم ملح لأنهم محتاجون إلى تصليب أبدانهم لما يلقاهم من الأشياء التي من خارج . والأصوب عندي أن يعوض من الملح ما ليس فيه لذع . قال أبو مروان بن زهر : دهن البلوط يفعل هذا الفعل من غير أن يلذع . ويكون غذاء هذا الطفل اللبن فقط . إلى أن تطلع أسنانه .
فإذا طلعت درج في الأغذية الرطبة شيئا فشيئا . وذلك أن اللبن شبيه بمزاج الطفل ، والغذاء كما قلنا ينبغي أن يكون شبيها ، وأيضا فإنه الغذاء الذي أعدته الطبيعة لذلك .
وهذا بعد أن تكون المرأة المرضعة متحفظة في الغذاء مرتاضة ، متجنبة للجماع ، فإن الجماع يثور دم الحيض ويغير رائحة اللبن ، ثم يحمم هذا الطفل كل يوم في الماء الفاتر