14 - وأما أجزاؤه ، فهي الماء الحار والماء البارد والهواء الحار ، وهي أيضا تستعمل فيه على مراتب : فالماء المعتدل في السخونة والبرودة يفيد البدن رطوبة ويحلل قليل تحليل يبلغ به أن يجلو الوضح الذي يكون على ظاهر الجلد . وأما الهواء الذي في طبيعة هذا الماء فإن الجسم فيه يعرق أدنى عرق ويستفرغ به رقيق الفضول . وهذه هي طبيعة البيت الأول من بيوت الحمام . فإن الهواء وإن كان في نفسه أرطب من الماء على ما تبين في غير هذا الموضع ، فإنه ليس يرطب الأبدان كترطيب الماء لها .
وذلك لأنه لا يلزمها كما يلزمها الماء ، بل الهواء ييبس وبخاصة كلما كان أحر . وأما الماء الحار والهواء الحار الكثير الحرارة فإنهما يسخنان الأبدان ويستفرغان فضولها ، ويستفرغان أيضا مع الفضول الأرواح ، والهواء كما قلنا مع هذا ييبس ، وهما إنما يفعلان هذه الأفعال في الأبدان النقية .
وأما في الأبدان المملوءة فضولا فإنهما يسددان مسام الجلد لكثرة الفضول ، لأنها تتبادر إلى الخروج فلا تسع على المسام فتصيب عن ذلك قشعريرة وتذوب الأخلاط وتنصب من عضو إلى عضو .
ولهذا كله ليس ينبغي أن يستعمل الحمام من في عضو من أعضائه امتلاء . والبيت الثالث في هذه الأفاعيل أكثر من البيت الوسط . وهو أيضا إنما يشفي من الأوجاع ما ليس يكون سببها مواد منصبة كالأورام وغير ذلك .
15 - وتبريد الحمام يكون بالذات ويكون بالعرض . أما التبريد الذي بالعرض فتفتيحه المسام واستفراغه الفضول اللذاعة ، وأما الذي بالذات فاستعمال الماء البارد فيه . وذلك أن الماء البارد هو أيضا أحد أجزاء الحمام ، وكأنه إنما هو آلة هاهنا على جهة الإصلاح لما أخلت به الحرارة من تليين وإرخاء للأعضاء . وتبريد الحرارة الغريزية على جهة ما تستعمل البرودة كثير من الصنائع ، كصناعة الحدادة والطبخ وغير ذلك ، فإن هذه كلها تستعمل البرودة على القصد الثاني ، وما الذي احتاج إن احتيج من ذلك باستعمال الصنائع لها والطبيعة في ذلك أقدم استعمالا لها .
وأما الماء البارد فإنما يستعمل في الحمام بآخرة ، وبعد استفراغ الفضول . والحمام إذا استعملت فيه جميع أجزائه في الأبدان النقية فعل أفاعيل جيدة متضادة : منها أنه يحلل الفضول ويستفرغها من غير أن يخل بالقوى ، ويلين الأعضاء من غير أن يرخيها ، ويرطبها من غير أن يسخنها ، ويبردها من غير أن يكثفها ، وهذا كله إنما يتم باستعمال الجزء الحار فيه والبارد ، ولما لحظ قوم من أفعال الحمام أفعاله الرديئة ذموه ولم يعلموا أنه إن استعملت جميع أجزائه في
الكليات في الطب — صفحة 351
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٥١