فأما القول في قوى الأدوية فقد تلخص فيما قبل . والذي بقي هاهنا من أمرها أن يقال كيف تحفظ بها الصحة . وكذلك الأمر في الأغذية فقد قيل أيضا في قواها ، والذي بقي هاهنا القول فيه كيف تستعمل ومتى تستعمل . ولنبدأ من القول في الرياضة ، فنقول :
3 - الرياضة : أنواعها ، فوائدها
7 - إن الرياضة بالجملة هي حركة الأعضاء بإرادة ما . وذلك أولا للأعضاء التي شأنها أن تتحرك بهذه الحركة ، وهي جميع الأعضاء التي لها حركات إرادية وثانيا : للأعضاء التي تجاور هذه ، وهي الأوردة وآلات الغذاء ، ولما كانت الرياضات هي حركات الأعضاء كان منها كلي وجزئي ، وذلك أن منها ما هي رياضة لجميع البدن وهي الحركة الكلية النقلية لجميع الحيوان ، ومنها ما هي رياضة مخصوصة بعضو ما ، مثل أن الصوت رياضة الرئة والقيام والقعود رياضة الصلب ، ولن يخفى على من كان عالما بحركة الأعضاء أي رياضة تخص عضوا عضوا ، فهذا أحد ما تنقسم إليه الرياضة من جهة الأعضاء أنفسها .
8 - والرياضة منها قوية ومنها ضعيفة ، وكل واحد من هذين إما أن يكون عن نقلة المرتاض أعضاءه فقط ، وهذه يوجد فيها السريعة والبطيئة ، وإما أن تكون مقاومة بينه وبين محرك آخر ، كمن يثبت في مكان ويأمر غيره أن ينزعه منه . ومن هذا النوع إشالة الحجر وغير ذلك ؛ وهذه ليس توجد فيها السريعة والبطيئة . وربما اجتمعت في الرياضة السرعة مع القوة ، كالذين يطفرون بالحراب .
9 - والرياضة المعتدلة فعلها بالجملة تنمية الروح الغريزي ، ودفع الفضول عن آلات الغذاء وتحليلها ، وتصليب الأعضاء أنفسها ؛ وهي في هذا المعنى أفضل شيء تنمي به الحرارة .
وذلك أن الحرارة التي تنمي بها هي من ذات الحرارة الغريزية ، وأما ما عداها من الأشياء التي تنمي الحرارة من خارج ، مثل الأدوية ولقاء الأشياء المسخنة بالفعل ، فكأنها حرارة عرضية .
وهذه متى استعملت بعد كمال الهضم نفعت هذه المنفعة التي ذكرنا . وأما متى استعملت والغذاء غير منهضم لن يؤمن عن استفراغ الأعضاء أنفسها أن تجتذب الغذاء إليها غير منهضم ، وأن تخل الحركة أيضا بالقوى الماسكة التي فيها ، فتدفعه غير منهضم . وبالجملة فالقوة الهاضمة إنما يكمل فعلها بالسكون ؛ كما أن القوة الدافعة إنما يكمل فعلها بالحركة ؛ ولهذا كان وقت الرياضة هذا الوقت . وعلامة هذا الوقت أن يكون اليول منصبغا أترجيا لا شديد الحمرة ، ومقداره في القوة هو أن يبتدئ البدن يعرق والنفس يتصاعد .
10 - وأما الرياضة القوية فإنها تستفرغ من البدن أكثر مما يحتاج إليه ، فهي بذلك تضعف كما نرى ذلك في أصحاب المهن القوية . وأما الضعيفة فإنها لا تستفرغ كل ما يجب